السفير نيوز
في الرابع عشر من تشرين الثاني، يستيقظ الأردنيون على نبض مختلف، على دفءٍ لا يشبه أي يوم آخر. إنّه يوم ميلاد الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الملك الإنسان، والقائد الذي لم يكن مجرد حاكمٍ لدولة، بل قلبٌ نابض لشعبٍ بأكمله. يومٌ له لون خاص، ومكان راسخ في وجدان كل أردني أصيل، لأن الحسين لم يكن ملكًا يمر في الذاكرة… بل ذاكرة تتجسّد في ملك.
الحسين… الملك القائد الذي أحبّه كل شيء في الأردن
أحبّه الشعب لأنه أحبّهم أولًا.
أحبّته الأرض لأنه لمس ترابها بيده.
أحبّته الشجر والحجر لأنه كان في حضن الوطن دائمًا، يطوف شماله وجنوبه، شرقه وغربه، بملامح لا تعرف الغرور، وبحضور لا يعرف البعد.
لم يكن الحسين خطيبًا فحسب، بل كان صوتًا يدخل القلب لأنه خرج من القلب. كان كلامه صادقًا، بسيطًا، بلا تكلّف، يمرّ من بين الكلمات ليستقرّ مباشرة في وجدان سامعيه. لم يكن يقرأ خطابًا، بل كان يحكي قصة وطن… ويحمل رسالته.
عرفه العالم قائداً شجاعاً، يحمل على كتفيه مسؤولية أمة صغيرة بحجمها، عظيمة برسالتها. وقف أمام العواصف، وخاض الحروب، ورعى السلام، وكتب اسمه بأحرف من صبرٍ وصلابة. لم يتردد، لم ينكسر، ولم يساوم على كرامة شعبه، فصار رمزًا عربيًا، وصار للأردن صوتًا لا يعلوه صوت في أصعب الظروف.
في يوم ميلاده، لا يحتفل الأردنيون فحسب، بل يستذكرون. يستذكرون الأب الحاني، المعلم الأول، والملك الذي عاش بين شعبه كواحدٍ منهم. وكم هو غريب هذا اليوم… فهو يجمع بين الدفء والفخر، وبين الحزن على فراق رجل لا يتكرر في التاريخ.
إنه اليوم الذي يردد فيه الأردنيون:
رحمك الله يا حسين… يا أبا الأردنيين… يا من علمتنا أن الوطن قيمة لا تعادلها قيمة.
ما زالت رسائله تنتقل من جيل إلى جيل، وما زالت كلماته تُتلى في المدارس والبيوت والقلوب. لم يكن الحسين ملكًا لفترة، بل كان مدرسةً مستمرة، وروحًا حاضرة في كل خطوة يُخطوها الأردن.
لقد غاب الجسد، لكن لم تغب الصورة، ولم تغب الرسالة، ولم يغب ذلك الصوت الذي كان يقول دائمًا:
“الإنسان أغلى ما نملك.”
في هذا اليوم العظيم، لا يستذكر الأردنيون ميلاد ملك عظيم وحسب، بل ميلاد عهد كامل، قيم، مبادئ، وطنية، رجولة، أبوة، وإخلاص.
يستذكره العالم بوصفه واحدًا من القادة الذين مرّوا فتركوا أثراً لا يُمحى.
رحمك الله يا حسين…
ستبقى في القلب، وفي التاريخ، وفي وجدان كل من عرف معنى أن يكون الحاكم إنسانًا قبل أن يكون ملكًا.

