السفير نيوز
قبل عدة سنوات، كنت على موعد مع تغيير نمط تأليف الكتب والمخطوطات، إذ حاولت حينها أن أغير اتجاهي نحو كتابة نصوص فنية تمثيلية عن طريق المسرح أو التلفزيون، لأن البلد لغاية الآن لا تملك القدرة على إنتاج أعمال سينمائية، بعد الفشل الذريع الذي مُنيت به صناعة السينما في الأردن.
راودتني قصة، وسيرة حياة محتال، ونصاب، ومزور؛ عاش بيننا فترة السبعينات والثمانينات، وكان يملك من الذكاء ما لا يملكه غيره في أمور النصب والإحتيال، حيث استطاع أن يجني ثروة بعشرات آلاف الدنانير بعد احتياله على أصحاب شاحنات، ومدراء بنوك، وأصحاب شركات لبيع السيارات، كان يقلد تواقيعهم الشخصية ويسحب أرصدتهم، أو يبيع السيارات والبضائع بأوراق مزورة، ويختفي عن الأنظار.
المحتال كان يشبه اللص روبن هود الإنجليزي الذي كان يسرق الغني لكي يُطعم الفقير، وهذا الشخص كان من المحتالين الراقيين، لا يأكل وحده، إنما كان يوزع الأموال على الفقراء والمحتاجين، وكنت تناولت موضوعه في تقارير سابقة نشرتها على صفحات بعض المواقع الإخبارية، إذ من بين طرائف تعامله مع الفقراء؛ أنه كان يدخل محلات مال القبان، أو الدكاكين، ويطلب الى صاحب المحل دفتر الديون، ويسدد كل الأموال المطلوبة من الزبائن، ويمزق الدفتر.
أو كان يدخل محلات بيع اللحوم، أو غيرها من المتاجر، ويدفع ثمن اللحوم الموجودة داخل الملحمة، ويشرف على توزيعها ويعطي كل محتاج كمية مناسبة، أو يشتري سيارة بطيخ، أو فواكه، ويوزعها على الفقراء، وكان هذا الرجل مدهش في تصرفاته بالرغم من أن الأموال كانت وصلته بالحرام، إلا أنه لم يكن يتمتع بها وحده دون أن يشارك كل فقير ومحتاج.
تواصلت وقتها مع عدد من المخرجين، والمنتجين، وعرضت عليهم القصة، أو الفكرة التي من خلالها يمكن أن نقدم مسلسلاً تلفزيونياً واقعياً؛ عن حالة وقعت بالفعل قبل عقود مضت.
مخرج معروف طلب إلي أن أكتب بعض الحلقات، وأعرضها عليه حتى يتأكد من إمكانية إنتاج مسلسل من ثلاثين حلقة أو أكثر، وبالفعل كتبت عدة حلقات لكن وكما يقال: (هذا وجه الضيف).
استمريت في التواصل مع مَن كنت أعتقد أنهم يمثلون الجانب الفني في العديد من المؤسسات، لكن دون جدوى، حتى دلني أحدهم على تلفون مسؤول كبير في مؤسسة إعلامية رسمية، قال لي هذا (الزلمة بمون)، ولديه موازنة يصرف منها على إنتاج المسلسلات، فاتصلت به على الفور، ويا ليتني لم أتواصل معه حتى أبقى (غشيم)، لا أعرف كيف تُهدر أموال مؤسسات الوطن…؟
قال لي من جملة ما قاله لي، أن أحد المسلسلات كانت تكلفته ما يقارب مليون دولار، وحصل البطل وحده على خمسين ألف دينار، أجرته عن بطولة المسلسل التافه، السطحي الذي لم يشاهده سوى بضعة مئات من الأردنيين، وكانت رفضت كثير من الدول العربية شراء هذا المسلسل، ما شكل خسارة كبيرة جداً على الجهة المنتجة لهذا العمل الساقط فنياً.
بعد أن سمعت ما سمعت، (ضبيت) مسلسلي، وقلت في نفسي؛ الله الغني عن اللجوء الى مثل هذه النوعيات من البشر، التي من المؤكد أنها يمكن أن تصرف مئات آلاف الدنانير على الأعمال التافهة، حتى لو كان فيها خسارة، وياما أهدرت الأموال على أعمال (فنية؟) هابطة، ومشاريع فاشلة، والمواطن هو وحده من يتحمل السيئة دون الحسنة في نهاية المطاف.
لا تستغربوا أن يخرج علينا من لا يفهم في أبجديات الفن الراقي، ويسوق علينا تفاهات يمكن أن تكلف أي جهة أردنية مئات آلاف الدنانير، بينما يعاني بعض من صنعوا فناً أردنياً راقياً من عدم قدرتهم على دفع أجرة بيته المستأجر، أو فواتير المياه والكهرباء، وأعرف ممثلاً وجدوه ملقى على قارعة الطريق، وقد فارق الحياة بعد طرده من منزله لعدم قدرته على الوفاء بالتزامات الحياة القاسية…
وللأمر بقية

