السفير نيوز
في العصر الرقميّ، لم تَعُد الخصوصيّة مفهوماً نظريّاً أو ترفاً قانونيّاً، بل أصبحت أحد أعمدة حقوق الإنسان الأساسيّة، وشرطاً لازماً لصون الكرامةِ الإنسانيّة وحماية الحريّةِ الفرديّةِ. ومع التسارعِ الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعيّ، تتزايد التحدّيات المُرتبطة بحماية البيانات الشخصيّة، خصوصاً في ظلّ انتشار “الترندات” الرقميّة التي تبدو في ظاهرها ترفيهيّة أو إبداعيّة، لكنّها تنطوي في جوهرها على مخاطرَ عميقة تمسّ الحقّ في الخصوصيّة.إنّ الحقّ في الخصوصيّة هو أحدُ الحقوق المكفولةِ بموجبِ العديدِ من المواثيق الدوليّة، ومع التحوّل الرقميّ، لم تعد الخصوصيّة تقتصرُ على الحماية التقليديّة مثل حماية المنزل أو المراسلات، بل امتدّت لتشملَ البيانات الشخصيّة (الاسم، الصورة، الصوت)، البيانات البيومتريّة (ملامح الوجه)، البيانات المهنيّة والسلوكيّة، والبصمة الرقميّة التي يتركها الفرد عبر استخدامهِ للتقنيات الحديثة. وفي البيئة الرقميّة، لا يقتصرُ الانتهاك على الاختراقِ أو التسريب، بل يشملُ الجمعَ غير الواعي للبيانات، واستخدامها خارج الغرض المُعلن، أو تخزينها دون ضمانات كافية.وعند استخدام منصّات الذكاء الاصطناعيّ من أجل تحويل صورةِ المُستخدم إلى صورٍ كرتونيّة أو احترافيّة -كما هو الترند المُنتشر حالياً وهو غالباً مُرتبطٌ بمهنهم أو صفاتهم الشخصيّة- يُطلب من المُستخدم تحميل صورةٍ واضحة للوجه، وأحياناً أكثر من صورة بزوايا مختلفة، وقد يُطلب منه أيضاً تحديدُ مهنته أو طبيعة عمله، وذلك بهدف “تخصيص” النتيجة النهائيّة. هنا، لا نتحدّث فقط عن صورةٍ عابرة، بل عن حزمةِ بيانات متكاملة: ملامح الوجه، الهوية المهنيّة، وربما السياق الاجتماعيّ للشخص، فالصورةُ الشخصيّة ليست مُجرّد ملفٍ رقميّ، بل بيانات بيومتريّة حسّاسة.وعندَ رفعِ الصور والبيانات إلى هذه المنصّات، قد يتم تخزين الصور على خوادم خارج الدولةِ التي ينتمي لها المُستخدم، أو استخدامها لتدريب نماذج ذكاء اصطناعيّ مستقبليّة، أو الاحتفاظ بالبيانات لفترات غير مُحدّدة، أو حتى دمجها مع بيانات أخرى متاحة تجارياً أو علناً لتكوين “ملفٍ رقميّ” عن المُستخدمِ قد لا يحمل اسمه الصريح، لكنّه يُمثّله بشكل كافٍ ليُستَفاد منه مستقبلًا كاستخدامه في انتحال الهويّة، أو الاستهداف المهنيّ والإعلانيّ، أو حتى الإقصاءِ غير المباشر عبر الخوارزميّات. وهنا يصبح الضررُ مُحتملاً حتى لو لم يظهر بشكلٍ فوريٍ، فالخطورةُ تكمن في أنّ هذه البيانات لا تُستخدم دائماً ضمن السياق الذي وافق عليه المستخدم ابتداءً. وهذا يطرحُ تساؤلات قانونيّة وسياديّة حول حماية البيانات.من منظورٍ حقوقيّ، يبرزُ اختلالٌ واضحٌ في ميزان القوّة بين المُستخدم العادي والشركات المطوّرة لهذه المنصّات. فالمُستخدم يُواجه شروطَ استخدامٍ طويلةٍ ومُعقّدة، مكتوبة بلغةٍ قانونيّة أو تقنيّة، ويجدُ نفسَه أمامَ خيارين لا ثالثَ لهما: القبولُ الكاملُ بالشروط أو الإقصاء عن المشاركةِ. وتحت ضغط الصيحة الرقميّة “الترند” والخوفِ من التخلّف عن الركب، تتحوّل الموافقةُ إلى إجراءٍ شكليّ لا يعكسُ وعياً حقيقيّاً بتبعات مشاركةِ البيانات.لا يعني هذا الطرح الدعوة إلى مقاطعةِ التكنولوجيا أو الانعزالِ عن الفضاء الرقميّ، بل هو دعوةٌ إلى إعادةِ التفكير، فالإبداعُ الرقميّ يجب ألّا يكون على حسابِ الحقّ في الخصوصيّة.في النهاية، قد تكون الصورةُ الكرتونيّة مُجرّد لحظةِ تفاعلٍ عابرة على وسائل التواصل الاجتماعيّ، لكنّها تفتحُ باباً واسعاً لنقاشٍ جوهريّ حول من يملكُ بياناتنا، وكيف تُستخدم، وإلى أيّ مدى نحتفظ بحقّنا في التحكّم بهويّتنا في الفضاء الرقميّ. وفي عصرٍ يُعاد فيه تشكيلُ الإنسان رقميّاً، يُصبح الدفاعُ عن الخصوصيّة دفاعاً عن حقّ الإنسان في أن يكون حاضراً في العالم الرقميّ دون أن يتحوّل إلى مُجرّدِ بيانات قابلةٍ للاستهلاك.د. عُريب هاني المومني

