السفير نيوز
في خطوة أثارت دهشة الشارع الأردني، خرج وزير البلديات مؤخرًا بتصريحات تبرر حل المجالس البلدية المنتخبة، مستخدمًا حججًا تبدو للبعض كأنها مستوحاة من كتاب قديم عن “كيفية إخفاء الفشل وراء الكلام الفارغ”. الوزير تحدث عن “ضعف الأداء” و”عدم تحقيق الأهداف التنموية”، وكأن كل إخفاقات الإدارة المحلية تقع على عاتق المجالس وحدها، متجاهلًا تمامًا أن هذه المجالس تعمل ضمن منظومة واسعة تتداخل فيها قرارات الوزارات والهيئات المختلفة، وأن المسؤولية مشتركة بين الجميع.
الأمر الأكثر سخرية هو أن الوزير، على ما يبدو، لم يتمكن من قراءة إشارات الملك المتكررة والداعمة للديمقراطية المحلية، والتي أكد فيها مرارًا على أهمية المشاركة الشعبية وصوت المواطن في إدارة شؤون بلده. فبينما يؤكد القائد الأعلى أن المجالس المنتخبة هي قلب العملية التنموية ومفتاح المشاركة المجتمعية، يأتي الوزير ليصفها بأنها “ضعيفة” و”عاجزة”، وكأن قراءة إشارات الملك أصبحت مهمة مستحيلة، وكأن الإحساس بالواقع المحلي يتطلب جهاز كشف ذهني خاص.
ما يزيد الطين بلة ويكشف عن نوايا أخرى وراء القرار، هو ما حدث من تتسيب في تعيين اللجان التي حلّت محل المجالس المنتخبة. هذه التعيينات لم تكن مجرد مسألة تنظيمية، بل لها دلالات أخرى واضحة، أبرزها التنفيعات، والتشلل الإداري، وتفضيل العلاقات الشخصية على الكفاءات الفعلية. بدلاً من تعزيز الأداء وتحقيق الأهداف التنموية، أصبحت المجالس المعينة مجرد واجهة لتثبيت النفوذ، وإقصاء المواطن العادي من أي دور فاعل في إدارة شؤون بلده.
ما صدر عن الوزير ليس مجرد قرار إداري، بل مؤشر على أزمة معرفية وسياسية حقيقية: حين يعجز المسؤول عن فهم دور المجالس المنتخبة ويغفل رسائل القيادة، يصبح القرار بلا أساس، وتتحول الحجج إلى طبقة من الورق الرقيق تغطي الإفلاس السياسي، كما لو أن الكلام الفارغ قادر على تعويض الفشل في الأداء والفهم.
الشارع الأردني، من جهته، يعرف جيدًا أن بعض المجالس استطاعت تحسين الخدمات رغم كل العراقيل، وأن مشاريع محلية عديدة لم تكن مجرد حظ، بل نتيجة عمل جاد وإدارة فعالة ضمن حدود الإمكانيات المتاحة. إلا أن الوزير اختار أن يرى في كل هذه الإنجازات “فشلًا جماعيًا”، متجاهلًا أن النقد الحقيقي للمؤسسات لا يكون بحلها، بل بتقوية أدواتها، وتحفيزها على الأداء، وتصحيح السياسات التي تعيق عملها.
ما يزيد الأمر حساسية أن هذه التصريحات ترسل رسالة مقلقة للمواطن الأردني: أن المشاركة الشعبية يمكن تجاهلها بسهولة، وأن أي إخفاق يُحمّل الأفراد فقط، دون النظر إلى الإطار المؤسسي الشامل. هذا الشعور بالعزلة السياسية وفقدان الثقة بين المواطن والدولة، إذا استمر، قد يضعف من روح الانتماء، ويبعد الناس عن المشاركة الفعلية في الحياة العامة.
في نهاية المطاف، ما حدث يؤكد أن فقر الرؤية والمعرفة لدى بعض المسؤولين قد يصبح أكثر خطورة من أي إخفاق إداري، وأن تجاهل إشارات القمة ليس مجرد سهو أو ضعف، بل يعكس عقلية لا ترى في الديمقراطية المحلية سوى واجهة شكلية، والمواطن مجرد متفرج على إدارة حياته من بعيد، بينما الكلمة العليا للمشاركة والمساءلة تتجاهلها بعض المكاتب الحكومية المغلقة.

