عدنان نصّار يكتب : العلم الأردني.. حين تختصر النجمة حكاية وطن
Share
SHARE
السفير نيوز
في صباحاتٍ كثيرة من هذا الوطن، يرفرف العلم الأردني بصمتٍ يشبه دعاءً قديمًا… دعاءً لا يُقال بصوتٍ عالٍ، لكنه يسكن القلوب. تراه فوق المدارس، على شرفات البيوت، وفي يد طفلٍ يلوّح به دون أن يعرف تمامًا لماذا يشعر بالفخر… لكنه يشعر.
ليس العلم مجرد ألوانٍ أربعة مرسومة بعناية، بل هو حكايةٌ طويلة من التعب والأمل، من الانكسار والنهوض، من وجوهٍ مرّت هنا وتركت شيئًا منها في هذا التراب. الأحمر فيه ليس لونًا فحسب، بل ذاكرة دمٍ دافئٍ كُتب به معنى الدفاع عن الوطن، والأسود ليس حزنًا، بل تاريخٌ ثقيلٌ من الصبر، والأبيض ليس حيادًا، بل مساحة حلمٍ واسعة، ظلّ الأردنيون يفتحون لها نوافذهم كلما ضاقت الحياة.
وللنجمة حكاية آخرى… تلك النجمة البيضاء الصغيرة، تختصر الحكاية كلّها. سبعة أضلاع، تسكن بين ضلوعنا وهي في وجدان الناس أكثر من رقم. هي الأم التي تنتظر ابنها على باب البيت، وهي الأب الذي يعود متعبًا لكنه يخفي تعبه كي لا ينكسر البيت، وهي الشاب الذي يبحث عن فرصة، والطفلة التي ترسم العلم بألوانٍ لا تخرج عن الخطوط، كأنها تعرف أن الوطن يجب أن يبقى متماسكًا. النجمة تشبهنا… بسيطة، صامتة، لكنها ثابتة. لا تصرخ، لكنها حاضرة. لا تتقدّم على بقية الألوان، لكنها لا تغيب عنها. وفي هذا، ربما تكمن أجمل حكايات الوطن: أن يكون الجميع فيه، دون أن يطغى أحد على أحد. في يوم العلم، لا نحتفل برايةٍ فقط، بل نحتفل بإنتماء ..بما تبقّى فينا من قدرة على العطاء ، نحتفل بتلك اللحظة التي نقف فيها، ولو لثوانٍ، لنقول إن هذا الوطن، بكل ما فيه، ما زال لنا… وما زلنا له. في الأزقة البعيدة عن الضوء، في القرى التي لا تزورها العدسات، في البيوت التي تعلّمت أن تُخفي وجعها كي لا تثقل على أحد، هناك علمٌ صغير معلّق، ربما باهت اللون، لكنه أكثر صدقًا من كثيرٍ من الشعارات. هناك، حيث لا أحد يصفّق، يعيش المعنى الحقيقي للعلم… لا كرمزٍ رسمي، بل كرفيق يوميّ،يسكن القلوب و”الدروب” يشهد على الصبر، ويشارك الناس صمتهم..محبتهم.
والسؤال الذي يجيء دائمًا، دون ضجيج: هل يشعر كل من ينظر إلى هذا العلم أنه ممثَّل فيه؟ هل يجد فيه العامل البسيط، والطالب، والأم، والعاطل عن العمل، مساحةً تشبهه؟ أم أن المسافة بين الرمز والواقع بدأت تكبر بصمت؟
الوطن، في جوهره، ليس ما نرفعه عاليًا فقط، بل ما نرفعه عن قلوب الناس من تعب.. والعلم لا يصبح عظيمًا لأنه يعلو الساريات، بل لأنه يقترب من تفاصيل الحياة…من قلوبنا ، وجداننا .. من رغيف الخبز، من دفء البيت، من كرامة الإنسان. لهذا، تبقى النجمة هناك… ثابتة، لا تتغيّر، كأنها تذكّرنا أن الوطن ليس فكرة مكتملة، بل حكاية تُكتب كل يوم. وأن ما ينقص هذه الحكاية ليس الألوان، بل أن نملأها بما يشبهها… عدلًا، ودفئًا، وشيئًا من الطمأنينة.
حين يرفرف العلم، لا يسأل الناس عن أسمائهم، ولا عن مواقعهم، بل يجمعهم في لحظةٍ واحدة، كأنها وعدٌ غير مكتوب… بأن هذا الوطن، رغم كل شيء، ما زال يتّسع للجميع..وطن يسكننا ،ونسكن فيه..وطن لنا.