السفير نيوز
حقيقة لم تكن بلاد الشام دولة واحدة في يوم من الأيام، ولم تخضع لحكم زعيم واحد منذ أن خلق الله الأرض وما عليها، إنما كانت تتبع إمبراطورية الروم، عندما كانت تحكم نصف الكرة الأرضية، هي وإمبراطورية فارس التي كانت تحكم النصف الآخر من الأرض.
نقول بلاد الشام وتضم سوريا، والأردن، وفلسطين، ولبنان، مع أنها لم تخضع يوماً لحكم ملك، أو رئيس، أو سلطان، أو حتى شيخ قبيلة، لقد كانت تحت سيطرة الحكم الأموي في دمشق، وليس فقط الدول التي ذكرتها؛ إنما عشرات الدول التي وقعت تحت سيطرة الدولة الأموية، وعندما جاء بنو العباس بقيادة أبو العباس السفاح، انتهى دور دمشق كعاصمة للخلافة، إذ أصبحت بغداد في عهدهم عاصمة الخلافة العباسية، وخضعت (بلاد الشام) لحكم العباسيين.
بعد أن ضعفت الخلافة العباسية في العراق والشام، استقلت مصر وأصبحت أحد مراكز النفوذ والثقل في العالم الإسلامي، ومما منحها الأفضلية على الخلافة العباسية الشرعية؛ دخول جيوش الموغول الى العراق والشام، وتهديد القاهرة آخر عاصمة إسلامية وقفت بوجه التتار، إلا أن هزيمة كتبغا قائد جيش الموغول؛ مكن السلطان قطز في مصر من السيطرة على الشام، مع بقاء قلعة الكرك في الأردن، تحت حكم الملك المغيث عمر.
إذن خضعت بلاد الشام لحكم المماليك على فترات، لم يكن يفصلها إلا صراعات الملوك والحكام، وتدخل الموغول، وأتباع الصليب، وسيطروا على نقاط الضعف في الأردن، وفلسطين، وبيروت، لكن بقيت دمشق وكان يحكمها الملك الناصر، والقاهرة؛ ويحكمها السلطان المظفر قطز، والكرك تحت قيادة الملك المغيث عمر، بمنأىً عن سلطة التتار، وأتباع الصليب بعض الوقت.
عندما ننظر الى العراق مثلاً؛ نجد أنها دولة كانت تتبع الإمبراطورية الفارسية مع جارتها إيران، أي أن كسرى كان يحكم العراقين (العراق وإيران)، تحت مسمى بلاد فارس، وكانت المدائن من أجمل المدن العراقية، فتحها خالد بن الوليد في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وحررها من الفرس، ولا زالت آثار المدائن لغاية الآن، وتقع الى الجنوب الشرقي من بغداد.
درسنا عن بلاد نجد والحجاز، واليمن، ولم نقرأ في التاريخ عن استقلال من أي نوع، سوى خضوع اليمن لعدة ممالك، الأولى: مملكة سبأ، والثانية: مملكة حضرموت، ومملكة قتبان، ومملكة معين، والثالثة: مملكة حمير في التاريخ القديم، أما التاريخ الحديث فكان اليمن الشمالي، واليمن الجنوبي، وتوحيد الشطرين تحت إسم جمهورية اليمن الموحدة.
وقرأنا عن مملكة تدمر، والحكم الروماني في سوريا، والخلافة الأموية في دمشق، وفيما بعد؛ الإمارات الإسلامية في حمص، وحلب، ودمشق… الخ، خلال عهد الخلافة العباسية في بغداد، وكان لكل إمارة أتابك يحكمها مثل الأتابك نور الدين زنكي الذي حكم حلب، وامتدت إمارته الى كل مناطق الشام، تحت حكم الخليفة العباسي.
أما فلسطين؛ فكانت فيها مملكة بيت المقدس؛ في عهد صلاح الدين الأيوبي الذي فتحها وحررها من الصليبيين، وهي أرض تشغل الجزء الجنوبي من الساحل الشرقي للبحر المتوسط حتى نهر الأردن.
وكانت مملكة الأنباط في الأردن تمتد من حدود فلسطين شمالاً إلى حدود الحجاز جنوباً، ومن بادية الشام شرقاً إلى شبه جزيرة سيناء غرباً، أي أنها حدود الأردن حالياً لكن بشكل موسع، وحكمها الملك حارثة الأول قبل ميلاد سيدنا عيسى (عليه السلام) بمئة وتسعة وستين سنة.
ومثلما كانت ولا زالت العراق، واليمن، وفلسطين، والأردن، وسوريا، وبيروت لها حدود مستقلة؛ كانت عُمان، والبحرين، وقطر، وتونس، والجزائر، والمغرب دول لم يعبث الاستعمار بحدودها، ونماذج كثيرة ومتعددة على وجود الدول العربية كما نعرفها الآن، ولم يكن لإتفاقية سايكس بيكو أي شأن في تقسيم الوطن العربي، إلا وفق مصالح وسياسات الدول الإستعمارية في استغلال الثروات.
عندما خرجت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا من الدول التي استعمرتها؛ تركت بعض الآثار التي خدمت الشعوب، مثل اللغة، والحضارة، والعلوم المختلفة، وبعض العادات والتقاليد، وأكبر دليل ما تركه نابوليون بونابرت قبل انسحابه من مصر، إذ أدخل فن الطباعة غير المكتشف إبانئذٍ، وترك لهم المطبعة الفرنسية المشهورة في ذلك العصر.
ما يهمنا في هذا المقال أن الدول العربية لم تتقسم بفعل الإستعمار، وإنما هي مقسمة منذ آلاف السنين، وقد حكمها ملوك، وأباطرة، وحكام، وخلفاء، وسلاطين، ولم تتغير الأسماء العربية لكن تأثرت بالحضارات، وإن آخر حضارات استطاعت الشعوب العربية التأقلم معها ولو مؤقتاً، كانت؛ الحضارة الإنجليزية، والحضارة الفرنسية، والحضارة الإيطالية، أخذنا منها ما ينفعنا وتركنا ما يضرنا، إذن العملية كانت تقسيم مصالح وثروات وليس تقسيم دول مقسمة أصلاً.
لو قلنا إن ست عشرة جمهورية التي كانت تشكل جمهوريات الإتحاد السوفييتي؛ كانت دولة واحدة، أو جمهورية يوغسلافيا كانت دولة واحدة؛ قبل أن تستقل، بعد أن كانت ست جمهوريات تشكل الإتحاد اليوغسلافي، لكان ذلك أمر منطقي لا يختلف عليه أحد، أما أن نقول أن العرب كانوا دولة واحدة؛ قسمها الإستعمار الى ما هي عليه الآن، هذا يعني أننا لم نقرأ، ولا نعرف التاريخ جيداً.

