السفير نيوز
في كل عام تطل علينا ذكرى الهجرة النبوية الشريفة ، فتوقظ في النفوس معاني الإيمان والتضحية والصبر والثبات على الحق ، وتذكرنا بأعظم رحلة عرفها التأريخ ، رحلةٍ لم تكن إنتقالاً من مكان إلى مكان فحسب ، وإنما كانت إنتقالاً من مرحلة الإستضعاف إلى مرحلة التمكين ، ومن ضيق المحنة إلى سعة المنحة ، ومن الألم إلى الأمل ، ومن الخوف إلى الأمن ، بفضل الله تعالى ثم بحسن التوكل عليه والأخذ بالأسباب.
لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة ، أحب البلاد إلى قلبه ، بعد أن اشتد أذى المشركين عليه وعلى أصحابه ، لكنه لم يغادرها حباً في الرحيل ولا رغبة في مفارقة الوطن ، وإنما إمتثالاً لأمر الله عز وجل .
وقد عبّر عن حبه العظيم لمكة بقوله : ” والله إنكِ لأحب أرض الله إلى الله ، وإنكِ لأحب أرض الله إليَّ ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت “.
إن هذا الموقف العظيم يؤكد أن حب الوطن قيمة راسخة في الإسلام ، وأن الإنتماء للأرض التي نشأ فيها الإنسان أمر فطري لا يتعارض مع الدين ، بل ينسجم معه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أحب وطنه ، واشتاق إليه ، وتألم لفراقه ، لكنه قدّم طاعة الله على كل شيء .
ومن أعظم الدروس التي تعلمنا إياها الهجرة النبوية الشريفة أن الأعمال لا تُقاس بصورها الظاهرة ، وإنما بمقاصدها ونياتها ، ولذلك جاء الحديث العظيم الذي يُعد قاعدة من قواعد الإسلام الكبرى ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
” إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل إمرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو إمرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه “.
إنه حديث يضع الميزان الدقيق لكل عمل يقوم به المسلم ، ويجعل الإنسان يراجع نفسه قبل كل قول أو فعل : هل أبتغي بهذا العمل وجه الله تعالى أم أبحث عن مصلحة شخصية ؟ هل أريد الأجر والثواب أم أطلب المدح والثناء ؟ هل أقوم بعملي بإخلاص أم بدافع الرياء والمحاباة والنفاق ؟
فكم من أعمال عظيمة في ظاهرها ضاعت عند الله بسبب فساد النية ، وكم من أعمال يسيرة رفعت أصحابها إلى أعلى الدرجات بسبب صدق الإخلاص .
فيا أيها العبد المؤمن ، إجعل أعمالك كلها لله تعالى ، وإجعل خطواتك في الحياة خالصة لوجهه الكريم .
إذا زرت مريضاً فليكن قصدك الأجر والثواب ، وإذا شاركت في عزاء فليكن هدفك المواساة وإبتغاء مرضاة الله ، وإذا حضرت فرحاً فلتكن نيتك إدخال السرور على قلوب الناس وصلة الأرحام ، لا التقرب من أصحاب المناصب والجاه ، ولا البحث عن منفعة أو مصلحة عابرة .
فكم من أناس يحرصون على حضور المناسبات لأن فيها أصحاب نفوذ أو أصحاب مال أو جاه ، بينما يغفلون عن مناسبات الفقراء والبسطاء . ولو علموا أن خزائن العطاء كلها بيد الله سبحانه وتعالى ، وأنه هو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ، لما تعلقوا بالمخلوقين هذا التعلق ، ولجعلوا أعمالهم خالصة لوجه رب العالمين .
ومن الدروس العظيمة في الهجرة النبوية أن التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب ، فقد خطط النبي صلى الله عليه وسلم للهجرة أدق تخطيط ، واختار الرفيق ، وحدد الطريق ، واستعان بمن يدله على المسالك ، ومكث في الغار ، ثم بعد ذلك كله قال لصاحبه الصديق رضي الله عنه : ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾.
فالإيمان الحقيقي يجمع بين الثقة بالله والعمل الجاد ، وبين الدعاء والسعي ، وبين التوكل والأخذ بالأسباب .
كما أن أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة المنورة كان بناء المسجد ، ليبين للأمة أن بناء الإنسان يبدأ ببناء علاقته مع الله ، وأن المسجد ليس مجرد مكان للصلاة ، بل مدرسة للإيمان ، ومنارة للعلم ، ومركز للتربية والإصلاح ، ومكان يجتمع فيه المسلمون على الخير والمحبة والتكافل .
لقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون عمارة القلوب قبل عمارة الحجر ، وأن يكون المسجد محور الحياة الإيمانية والإجتماعية للأمة .
وفي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة نحن أحوج ما نكون إلى هجرة من نوع آخر ، هجرة من المعصية إلى الطاعة ، ومن الظلم إلى العدل ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الفرقة إلى الوحدة ، ومن الأنانية إلى الإيثار ، ومن التعلق بالمخلوق إلى التعلق بالخالق سبحانه وتعالى .
فالهجرة الحقيقية ليست حدثاً تاريخياً نحتفل بذكراه فحسب ، وإنما منهج حياة يتجدد في كل يوم ، يهاجر فيه المؤمن بقلبه وجوارحه إلى ما يحبه الله ويرضاه .
فطوبى لمن جعل هجرته إلى الله ورسوله ، وأخلص النية في أقواله وأعماله ، وأدرك أن ما عند الله خير وأبقى ، وأن أعظم المكاسب ليست مكاسب الدنيا الزائلة ، بل رضوان الله وجنته .
وما أجمل أن نستقبل العام الهجري الجديد بقلوب صادقة ، ونفوس مخلصة ، وعزيمة على إصلاح الذات ، وتجديد العهد مع الله ، حتى تكون هجرتنا الحقيقية من كل ما لا يرضيه إلى كل ما يقربنا منه ، فنفوز بخيري الدنيا والآخرة .

