السفير نيوز
حين نتحدث عن بناء الدولة ، فإننا لا نبدأ بالإسمنت والحديد ، وإنما نبدأ ببناء الإنسان ، لأن الإنسان الصالح والمتعلم وصاحب القيم هو الذي يبني كل شيء بعد ذلك .
ومن هنا ، فإن إعادة النظر في رواتب المعلمين وأئمة المساجد والمؤذنين ليست مطلبًا فئويًا ، بل هي إستثمار وطني طويل الأمد في مستقبل الأردن وأجياله .
فالمعلم ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمل ثم يغادر ، بل هو صانع العقول ، وغارس القيم ، ومكتشف المواهب ، ومهندس المستقبل .
وإذا أردنا أن نجذب أصحاب المعدلات المرتفعة والكفاءات المتميزة إلى مهنة التعليم ، فلا بد أن تكون هذه المهنة جاذبة من الناحية المادية والمعنوية ، وأن يشعر المعلم بأن المجتمع يقدر رسالته ويكافئ عطاؤه بما يستحق .
وكذلك الإمام والمؤذن ، فهما يؤديان رسالة عظيمة في توجيه المجتمع ، وترسيخ الأخلاق ، ونشر الوسطية والإعتدال ، وتعزيز قيم التسامح والإنتماء والولاء للوطن وقيادته .
والإمام الناجح لا يخاطب المصلين فحسب ، بل يسهم في بناء الأسرة ، وحماية الشباب من الإنحراف ، ومعالجة كثير من المشكلات الإجتماعية بالفكر والحكمة والكلمة الطيبة .
ولذلك فإن وضع سلم رواتب مجزٍ ، بحيث لا يقل راتب الإمام عن 1000 دينار ، وراتب المؤذن عن 600 دينار ، سيجعل دراسة الشريعة والعمل في المساجد خيارًا مهنيًا مرغوبًا لدى كثير من الطلبة المتفوقين ، كما سيعزز الإستقرار الوظيفي ، ويرفع مستوى الأداء ، ويحقق التنافس على هذه الرسالة السامية .
كما أن منح الأئمة والمؤذنين إمتيازات إضافية ، مثل المساهمة في تعليم أبنائهم أو تقديم منح دراسية لهم من خلال وزارة الأوقاف ، سيكون حافزًا مهمًا لإستقطاب الكفاءات والمحافظة عليها ، ويعكس تقدير الدولة لمن يحملون رسالة الدين والإعتدال .
إن الأمم المتقدمة لا تبخل على من يصنع الإنسان ، لأن تكلفة الإهمال أكبر بكثير من تكلفة الإستثمار . وما يُصرف على المعلم والإمام والمؤذن اليوم ، سيعود غدًا أمنًا وإستقرارًا ، وإنخفاضًا في الجريمة ، وإرتفاعًا في مستوى التعليم ، وتعزيزًا للقيم والأخلاق ، وإعدادًا لجيل قادر على حمل مسؤولية الوطن .
إن بناء المدارس والمساجد أمر مهم ، لكن الأهم هو بناء الإنسان الذي يقف داخل المدرسة والمسجد . فالمعلم القدوة ، والإمام العالم ، والمؤذن المخلص ، هم ثروة وطنية حقيقية تستحق كل دعم ورعاية وتقدير ، لأنهم يصنعون أجيالًا تبني الوطن وتحافظ على هويته وقيمه ، ويستحقون أن يكونوا في مقدمة أولويات أي مشروع وطني للإصلاح والتنمية .

