إلى دولة رئيس الوزراء :
ليس أعظم من أن يشعر الإنسان ، وهو يقترب من نهاية رحلة الحياة ، بأن ذمته قد أصبحت بريئة أمام الله والناس .
فالمال العام ليس ملكًا لفرد ولا لمسؤول ، وإنما هو حق لكل مواطن ، وأمانة في أعناق من يتولون إدارته ، وسيُسأل عنها كل من إمتدت يده إليها بغير حق ، ” يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ” .
ومن هنا ، تبرز فكرة إنشاء صندوق وطني لإبراء الذمة ، ليكون بابًا مفتوحًا لكل من يرغب في إعادة الأموال التي حصل عليها بغير وجه حق إلى خزينة الدولة أو للمؤسسات والشركاتالخاصة ، طواعيةً وسريةً ، دون تشهير أو إنتقام ، بل إبتغاء مرضاة الله ، وإصلاحًا لما فات ، وإبراءً للذمة قبل الوقوف بين يدي العدل المطلق .
إن هذه المبادرة لا تعني التساهل مع الفساد ، ولا إعفاء المفسدين من المساءلة ، وإنما تفتح بابًا للتوبة الصادقة ، وتشجع على إعادة الحقوق إلى أهلها ، فالإسلام جعل باب التوبة مفتوحًا ، لكنه قرنه برد المظالم إلى أصحابها .
إن الأموال التي يمكن أن تعود من خلال هذا الصندوق قد تُسهم في بناء مدرسة ، أو تجهيز مستشفى ، أو إنشاء مركز صحي ، أو دعم صندوق الطالب الجامعي ، أو تحسين أوضاع المعلمين ، أو توفير فرص عمل للشباب ، وبذلك تتحول أموال أُخذت بغير حق إلى مشاريع تخدم الوطن والمواطن .
كما أن وجود هذا الصندوق سيبعث برسالة أخلاقية ووطنية مفادها أن الدولة تؤمن بالإصلاح إلى جانب المحاسبة ، وأنها تمنح الفرصة لمن يريد أن يصحح خطأه قبل أن يُحاسب عليه أمام القضاء أو أمام الله سبحانه وتعالى .
ولا شك أن نجاح هذه المبادرة يتطلب إطارًا قانونيًا واضحًا ، ولجنة وطنية مستقلة مشهودًا لها بالنزاهة ، تضمن السرية والشفافية ، وتراقب الأموال المستردة وكيفية توجيهها إلى المشاريع ذات الأولوية، مع نشر تقارير دورية تعزز ثقة المواطنين .
إن بناء الدول لا يقوم على القوانين وحدها ، بل على الضمير الحي ، والخوف من الله ، والشعور بالمسؤولية . وكل دينار يعود إلى خزينة الوطن هو خطوة نحو تنمية أفضل ، وعدالة أوسع ، وثقة أكبر بين الدولة والمجتمع .
فلنجعل من صندوق إبراء الذمة مشروعًا وطنيًاً وأخلاقيًاً ، يرسخ ثقافة رد الحقوق ، ويمنح فرصة صادقة لمن أراد أن يطوي صفحة الماضي ، ويبدأ صفحة جديدة عنوانها الأمانة والنزاهة والوفاء للوطن .
قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتُبْ وَيَعْمَلْ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾.
إن الأوطان القوية لا تُبنى بكثرة الشعارات ، وإنما تُبنى حين تُصان الأمانات ، وتُرد المظالم ، ويطمئن كل مواطن أن المال العام مصون ، وأن العدالة تسير جنبًا إلى جنب مع الرحمة ، وأن باب الإصلاح يبقى مفتوحًا لكل من صدقت نيته في العودة إلى الحق . ومن يردّ حقًا إلى أصحابه ، فإنما يرفع عن نفسه تبعةً ثقيلة في الدنيا ، ويرجو رحمة الله في الآخرة ، ويُسهم في بناء وطنٍ أكثر نزاهةً وعدلًا وازدهارًا .
د.نسيم أبو خضير يكتب : ” صندوق إبراء الذمة… مبادرة وطنية تعيد الحقوق إلى أصحابها وتفتح باب التوبة ” :

