السفير نيوز
أثار اتساع رقعة التوترات العسكرية في الممرات البحرية الاستراتيجية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، مخاوف متزايدة لدى شركات الشحن العالمية، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية التي تهدد اثنين من أهم الشرايين البحرية التي يمر عبرهما جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة.
ويعد مضيق هرمز المنفذ الرئيس لصادرات النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق العالمية، فيما يشكل باب المندب حلقة الوصل بين البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل أي اضطراب في هذين الممرين ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية وسلاسل التوريد.
ومع اتساع دائرة المخاطر، بدأت شركات الشحن العالمية بإعادة تقييم مساراتها البحرية، حيث فضّل عدد منها تجنب المرور عبر البحر الأحمر وباب المندب أو تقليص عدد الرحلات، في حين أصبحت السفن العابرة لمضيق هرمز تواجه مخاطر متزايدة نتيجة احتمالات التصعيد العسكري أو استهداف السفن التجارية.
وتفرض هذه التطورات على الشركات تكاليف إضافية، تشمل ارتفاع أقساط التأمين البحري، وزيادة أجور الطواقم، وارتفاع تكاليف الحماية الأمنية، إلى جانب احتمالات التأخير في تسليم البضائع، وهو ما يرفع الكلفة النهائية لعمليات النقل البحري.
كما دفعت المخاوف بعض شركات النقل إلى اعتماد مسارات بديلة، أبرزها الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا بدلاً من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس. ورغم أن هذا الخيار يوفر قدراً أكبر من الأمان، إلا أنه يضيف آلاف الأميال البحرية إلى الرحلة، ويزيد مدة الإبحار بما قد يصل إلى أسبوعين أو أكثر، الأمر الذي يعني استهلاكاً أكبر للوقود، وارتفاع أجور التشغيل، وتأخر وصول البضائع إلى الأسواق.
وتؤكد مؤسسات اقتصادية أن زيادة زمن الرحلات البحرية تؤثر في كفاءة سلاسل الإمداد العالمية، خاصة بالنسبة للسلع سريعة التداول والمواد الخام ومكونات الصناعات المختلفة، ما ينعكس على المصانع والمستوردين وتجار التجزئة في مختلف دول العالم.
ولا تقتصر التداعيات على قطاع الشحن وحده، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ تُحمّل الزيادات في تكاليف النقل والتأمين على أسعار السلع المستوردة، بدءاً من المواد الغذائية والملابس والأجهزة الإلكترونية، وصولاً إلى السيارات ومواد البناء والمنتجات الصناعية، الأمر الذي يغذي موجة جديدة من الضغوط التضخمية.
ويرى خبراء أن استمرار التوتر في مضيق هرمز وباب المندب في آن واحد يضع التجارة العالمية أمام تحد غير مسبوق، لأن البدائل المتاحة لا تستطيع تعويض الكفاءة التي توفرها هذه الممرات البحرية، فضلاً عن محدودية الطاقة الاستيعابية لبعض المسارات الأخرى.
كما يحذر الخبراء من أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يدفع الشركات إلى إعادة هيكلة شبكاتها اللوجستية، وزيادة المخزونات الاحتياطية، والبحث عن مصادر توريد أقرب إلى الأسواق المستهلكة، وهي إجراءات من شأنها رفع كلف الإنتاج والتجارة على المدى المتوسط والطويل.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى عودة الاستقرار إلى الممرات البحرية الحيوية عاملاً أساسياً للحفاظ على انسياب التجارة العالمية، والحد من ارتفاع كلف النقل، ومنع انتقال تداعيات الصراع إلى المستهلكين عبر موجة جديدة من ارتفاع الأسعار على مستوى العالم.

