السفير نيوز
بدايةً؛ كنت حاولت منذ سنوات، أن أبحث في كثير من المصادر العلمية، والأدبية، وما تُرجم عن التركية، وما جاء ذكره في بعض القصائد الشعرية، عن بعض الكلمات والمصطلحات المستخدمة في المجتمع الأردني، أو المجتمعات العربية، فتولد لدي عشرات التعريفات اللغوية والعامية، وما كان متداول بين الشعوب العربية تحت ظل راية الدولة العثمانية، وما أخذه العرب والمسلمون عن الأتراك.
وكنت ألفت كتاباً أطلقت عليه عنوان: ما يخطر في البال عن أهل الشمال، جمعت فيه كل ما جاء على لسان أبناء المجتمع الأردني، وتحديداً في منطقة الشمال من المملكة، لكن في هذه العجالة أحببت أن أضع بعض التعريفات لمصطلحات وكلمات متداولة في الأردن، تعاملنا معها بغير معناها، وكنا نعتقد أنها كلمات سيئة، وبعد معرفتنا أصلها وفصلها، لا بد من شرح معناها لتعميم الفائدة، وهي مصطلحات جاءت منذ أكثر من مائة عام، وكانت على النحو التالي:
أولاً: شليتي أو شلاتي – سرسري:
كلمة شليتي أو شلاتي، أو سرسري، هي من الكلمات التركية التي أخذها العرب في بلاد الشام، وبالذات في الأردن، وتعني في مجتمعنا؛ الشاب الأزعر، الهامل، (خريج الحبوس)، صاحب مشاكل، أو (مشكلجي)، (عونطجي)، الخ.
إلا أن معناها في اللغة التركية غير ما جاء في ما نتداوله داخل مجتمعنا الأردني، وقد بحثت فوجدت أن الشليتي أو الشلاتي، تعني موظف التموين، أو مراقب الأسعار في الدولة التركية، ومهمته التجول بين المحال التجارية، لضبط أسعار المواد التموينية عند التجار.
فيما مضى من عهد الدولة العثمانية استطاع التجار شراء هذا الموظف، فأصبح الشليتي أو الشلاتي مرتشي، يغض البصر عن تلاعب التجار بأسعار المواد التموينية، فاضطرت الدولة الى أن تعمل على توظيف مراقب آخر أطلقت عليه اسم: السرسري، ومهمته مراقبة الشليتي أو الشلاتي، وبالرغم من ذلك استطاع التجار شراء ذمة السرسري كما فعلوا مع الشلاتي.
لذلك أصبح الشلاتي والسرسري من الأسماء التي تدل على الموظف، أو الشخص السيء، المرتشي الذي يبيع ضميره الوظيفي بأي مبلغ أو بدل بضاعة، ممكن أن تكون قماش، أو حبوب، أو مواد تموينية، وما الى ذلك مما يتوفر في الأسواق التجارية.
ثانياً: (البراطيل مفردها برطيل)، وتعني الرشوة.
البراطيل خربت جرش، وجاءت على لسان الشاعر العملاق (مصطفى وهبي) صالح التل – عرار، وقد اشتهرت في منطقة جرش، عندما استطاع بعض المتنفذين من سرقة وبيع آثار جرش التاريخية، مقابل دفع رشوة لبعض المسؤولين عن حراسة الآثار، واستطاعوا تهريب أكثر من ستين بالمئة من آثار جرش، حتى يقال أنهم باعوا الأعمدة الرومانية لتوضع أمام قصور أثرياء أوروبا.
إبانئذٍ، أطلقوا على المال المدفوع كرشوة؛ برطيل، وعندما تعددت الرشاوى سميت: براطيل، حتى صاروا يطلقون على المرتشي: فلان (بيتبرطل)، أو حاميها حراميها، والمقصود؛ حامي الآثار من السرقة هو حرامي الآثار، الذي يسهل بيعها، وعلى هذا الأساس قال عرار: البراطيل خربت جرش، وكانت جاءت الكلمة في بيت شعر لعرار يقول فيه:
إن البراطيل قُدماً خربت جرشاً والحاكم الفذ لكام لشانيه.
ثالثاً: دواك عندي – وهي نوع من أنواع التهديد المبطن بين شخصين.
جاءت كلمة: دواك عندي في بيت شعر للفارس عنترة بن شداد، الذي كان عاشقاً لابنة عمه، وكتب فيها قصائد طويلة من الشعر العذري، ويُعد أحد أهم فرسان العرب في الجاهلية، اعتزازاً بنفسه، وبقوته، وبنسبه.
وردت كلمة (دواك عندي) في قصيدة إذا كَشَفَ الزَمانُ لَكَ القِناعا، وجاء مطلعها:
إِذا كَشَفَ الزَمانُ لَكَ القِناعا وَمَدَّ إِلَيكَ صَرفُ الدَهرِ باعا
فَلا تَخشَ المَنيَّةَ وَاِلقَيَنها وَدافِع ما اِستَطَعتَ لَها دِفاعا
الى بيت…
يَقولُ لَكَ الطَبيبُ (دَواكَ عِندي) إِذا ما جَسَّ كَفَّكَ وَالذِراعا
وَلَو عَرَفَ الطَبيبُ دَواءَ داءٍ يَرُدُّ المَوتَ ما قاسى النِزاعا
انتهى البحث…
أرجو أن أكون قد وفقت في اختياري لبعض الكلمات المتداولة في المجتمع الأردني الذي ورث الكثير الكثير من اللهجات واللغات، وتأثر بها وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياته اليومية.
ملاحظة: فصل صغير من كتابي المطبوع والمنشور عام (2007)، وكان بعنوان: الأثر في الأسماء واللهجات والعبر.

