السفير نيوز
لا شك أن هناك مشروعين متنافسين في الإقليم، المشروع الصهيوني المدعوم من الغرب وعلى راسه أمريكا، والمشروع الإيراني ،وكلاهما يتنافسان على حساب العرب في ظل غياب مشروعهم الجامع للأمة ،وبالتالي الصراع لاقتسام ونهب خيرات الأمة وفرض اجندتهم وإنتهاك سيادة وهيبة الأنظمة وشعوبها في المنطقة العربية، والكل منشغل بمصالحه القطرية ،التي يسعى القائمون على المشروعين لضمان إستمرار إنقسام وتشرذم الأمة وإبعادها عن الإلتقاء على مشروع ولو بحده الأدنى ليقف أمام هذا التغول الإستعماري الذي لا يبالي في انتهاك القوانين الدولية وسفك الدماء لا لسبب إلا لتحقيق الهيمنة وفرض السيادة بالقوة.
منذ أمد بعيد وإسرائيل تتبجح بإثارة المجتمع الدولي ضد المشروع النووي الإيراني ،متناسية مشروعها النووي ،والذي لم يخضع حتى هذه اللحظة للرقابة الاممية، وبكل صلافة تطالب الآخرين الإلتزام بما لم تلتزم به إسرائيل وتتصرف بما تملكه من حصانة تحت الفيتو الأمريكي ،أمام اية ادانة لسلوكها من قبل مؤسسات المجتمع الدولي.
تحاول القيادة الإسرائيلية توريط أمريكا في الصراع المباشر مع إيران، لكن أمريكا تدرك حجم وإنتشار مصالحها في المنطقة وإمكانية تعرضها للخطر ،وبالتالي تحاول جاهدة تطويع المشروع الإيراني وفق السياقات الأمريكية ،لكن الأمور في مرحلة ما خرجت عن السيطرة وأصبحت عناصر من الحرس الثوري الإيراني تسيطر على الحدود الشمالية لإسرائيل بالنار والنظر ،الأمر الذي جعل القيادة الأمريكية تقبل بإنهيار النظام السوري والتعامل مع الوضع الجديد في سوريا مقابل تقليم أظافر إيران وتجريدها من بعض عناصر واذرع القوة في المنطقة.
دخلت إسرائيل في المستنقع الذي اوجدته بغزوها لقطاع غزة ولم تستطع تحقيق أهدافها المعلنة رغم عمليات الإبادة غير المسبوقة والتدمير الممنهج والحصار المجرد من أدنى درجات الإنسانية ،ولا زالت تراوح مكانها ،وخلقت حالة من السخط داخل المجتمع الإسرائيلي والمجتمع الدولي على حد سواء، والذي بات يضيق الخناق على الحكومة المتطرفة وعلى رأسها نتنياهو ،وأصبح طوق النجاة لديه إما إلحاق الهزيمة بالمقاومة في غزة او إستمرار الحرب وتوسيع نطاقها ليشمل الإقليم برمته ،وقد وجد ضالته في شن حرب ضد إيران بحجة القضاء البرنامج النووي ،وهذا إن تحقق يتيح لإسرائيل توسيع نطاق نفوذها وإخضاع الجميع في المنطقة لهيمنتها و تحقيق ما يُسمي بإسرائيل الكبرى.
في الثالث عشر من حزيران ٢٠٢٥ شنت إسرائيل هجوماً مباغتاً وبجهد كبير ضد إيران وحققت تأثيراً واسعاً وصدمة كبيرة في الأوساط الإيرانية ومنها تصفية معظم القيادات في الأجهزة العسكرية ،الذي أحدث إرباكا في كلا القيادات السياسية والعسكرية ،ومع مرور بعض الوقت إستطاعت القيادات الإيرانية إمتصاص الصدمة وإمتلاك زمام الأمور من جديد وبدأت توجه الضربات الجوية بواسطة الطائرات المسيرة والصاروخية بإتجاه إسرائيل وبشكل متدرج ،محققة المفاجأة من خلال إختيار الأهداف ونوع السلاح وتوقيت الهجوم ،مستغلة هشاشة الوضع لدي المجتمع الإسرائيلي الذي إعتاد على توفير الحماية له وقصر أمد الحروب.
اعتقد جازما بناءا على التحليل ولا استند إلى مصدر معلومات ان الولايات المتحدة الأمريكية مشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران، بوسائل متعددة ،فهذا الجهد الكبير المبذول والتدمير والخسائر البشرية التي تعرضت ولازالت تتعرض لها إيران لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن الإسناد الأمريكي لإسرائيل ،وأعتقد أن هذا لا يخفى على عاقل، خاصة القادة الإيرانيين.
أما الحشود الأمريكية والتصريحات النارية والتهديد والوعيد الذي يصدر عن الرئيس ترامب ،فهذا يشي بتعقيدات الوضع في الأوساط الإسرائيلية ،نتيجة تصرفات القيادة المتهورة في إسرائيل وما ترتب عليها من إطالة امد الازمة وإزدياد حجم الخسائر والاضرار لدى الإسرائيليين التي لم يعتادوا عليها من قبل وصعوبة التنبؤ بمآلات الصراع.
لا استبعد تدخل أمريكا المعلن في العمليات ضد إيران في حال تغلب الطرف الإيراني الذي يشير انه كلما طالت مدة الحرب تميل الكفة لصالح إيران ،وهذا يفرض على الولايات المتحدة ان تُفاضل بين الخِيارين التاليين :
*التدخل المباشر لدعم الموقف الإسرائيلي ،وهذا يحقق طموحات نتنياهو لإشراك الولايات المتحدة في الحرب، لتحقيق الإنتصار على إيران وهذا ربما يشكل طوق نجاة له مما ينتظرة من محاسبة وإنهاء مستقبله السياسي ،وهذا الخِيار يصعب التنبؤ بالتداعيات والمخاطر المترتبة عليه وذلك بتوقع دخول أطراف إقليمية ودولية وتوسع دائرة الصراع.
*القبول بتنازلات والجلوس مع إيران على طاولة المفاوضات كند مستند إلى إنجازات عسكرية في الحرب تفرض وجودها كلاعب مهم على الساحة الإقليمية .
لا يمكن الخروج من المأزق إلا بتغليب العقلانية والإبتعاد عن والغطرسة والإستكبار وإلغاء الآخرين والجلوس إلى طاولة الحوار والقبول بالتنازلات من قبل الطرفين ،وهنا أشير إلى أن هذا الوضع يحتم على القيادات السياسية في العالم العربي إلتقاط الفرصة وتناسي الخلافات والحساسيات والخروج بمبادرة تتيح لهم ملئ الفراغ واخذ دورهم كطرف ثالث والأكثر تاثراً بنتائج الصراع، إن توفرت الإرادة والنوايا الصادقة، وهذا يوفر بيئة مناسبة لربط ملف غزة مع ملف الحرب بين إسرائيل وإيران بإعتبار الأولى طرف في الملفين، للخروج من الكارثة في غزة ولو بالحدود الدنيا ووضع حد للغطرسة والتمرد الإسرائيلي.
مجرد وجهة نظر تحتمل الخطأ والصواب

