السفير نيوز
العشيرة الأردنية لم تكن يومًا تفصيلاً هامشيًا في بنية الدولة والمجتمع، بل هي الأساس الذي تشكلت عليه القيم الوطنية، والهوية الجامعة، والانتماء الصادق للأرض والقيادة. فهي ليست مجرد تجمعات نسب، بل كيانات اجتماعية أصيلة أسهمت في ترسيخ قيم الكرامة، والنجدة، والوفاء، والكرم، ودفعت بأبنائها ليكونوا في طليعة من بنوا الأردن وحموا استقراره، وارتقوا بمكانته.
وقد عبر جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال – طيب الله ثراه – عن هذه الحقيقة بوضوح وصدق في خطاب العرش السامي الذي ألقاه أمام البرلمان الأردني عام 1997، حين قال:
“مثلما كانت العشيرة في هذا الوطن الغالي ينبوع خير وعطاء، ومعين شرف وكبرياء، ولم تكن يوماً لا عبئاً ولا عيباً، ولا نقيصةً أو مذمة، فإذا كنتم قد جئتم من تلك الينابيع المباركة والمصادر النظيفة، فهنيئاً لكم ذلك، وهنيئاً للدولة بكم.”
بهذه الكلمات، وضع الحسين النقاط على الحروف، وردّ على كل من حاول تصوير العشيرة وكأنها عائق أمام الدولة المدنية، أو عبء على التحديث والتنمية. فالعشيرة لم تكن يومًا مرادفًا للانغلاق، بل كانت البيئة الأولى التي تربى فيها الأردني على قيم الانتماء، والتضحية، والولاء، والمروءة. ومن رحمها خرجت النخب السياسية، والكوادر العسكرية، والمفكرون، والعلماء، والمعلمون، وأصحاب المواقف الوطنية.
إن العشيرة، في وجدان الأردنيين، ليست مجرد إرث اجتماعي، بل هي عمق اجتماعي حقيقي للدولة، وخزان للقيم التي حافظت على تماسك المجتمع في وجه التحديات، وحمت الوطن من التفتت في أوقات الشدة. ولذلك، لم تكن إشادة الحسين بها مجرد مجاملة، بل تعبيرًا صادقًا عن قناعة وطنية بأن قوة الأردن تنبع من تماسك نسيجه المجتمعي، وتقدير القيادة لعراقة أصوله.
وفي زمن الدولة الحديثة، تبقى العشيرة مدعوة لتجديد دورها بما يتوافق مع قيم المواطنة، وسيادة القانون، والانفتاح، والتعليم، دون أن تتخلى عن أصولها النظيفة التي وصفها الحسين بـ”الينابيع المباركة”. هي مدعوة لتكون كما كانت دومًا: رافعة للدولة لا عبئًا عليها، ومصدرًا للتماسك لا للفُرقة، ومنبعًا للقيم لا لعصبيات ضيقة.
لقد أنصف الحسين العشيرة، حين وضعها في موقعها الحقيقي كجزء من الهوية الأردنية الجامعة، لا نقيضًا لها، وكرافعة للبناء الوطني، لا عائق أمامه. واليوم، ونحن نواجه تحديات جديدة، لا بد من استلهام ذلك الخطاب، وتلك الرؤية التي تجعل من كل مكون اجتماعي – وعلى رأسها العشائر – شريكًا فاعلاً في بناء الحاضر وصياغة المستقبل.

