السفير نيوز
قرار مجلس التعليم العالي برفع معدل القبول في تخصصات الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات إلى 75% أثار جملة من التساؤلات، ليس فقط حول توقيته، بل حول الأسس التي استند إليها، ومدى اتساقه مع التحولات التربوية التي تشهدها منظومة التعليم الأردنية، خاصة مع بدء تطبيق نظام المسارات المدرسية الجديد.
إن أول ما يلفت الانتباه هو أن القرار جاء في وقت لم تتخرج فيه بعد أي دفعة من طلبة هذه المسارات الجديدة، والمقرّر أن تكون دفعتهم الأولى عام 2027/2028. وهذا يفتح باب التساؤل: ما الجدوى من اتخاذ قرار مصيري اليوم دون انتظار نتائج التطبيق الفعلي؟ وهل أُخذ بعين الاعتبار اختلاف طبيعة المسارات، خصوصًا بين المسار الأكاديمي ومسار تكنولوجيا المعلومات “البيتك”؟
السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يشمل القرار كلا المسارين؟ وإن كان كذلك، فهل من المنصف أن يُعامَل من تلقى تعليمًا تطبيقيًا تخصصيًا كما يُعامَل من تلقى تعليمًا نظريًا عامًا؟ الفروقات بين المسارين ليست شكلية، بل تمس صلب العملية التعليمية من حيث المناهج، المهارات، وأهداف التعلم.
لقد طُرحت فكرة المسارات التعليمية لتمنح الطالب حرية الاختيار وفق ميوله وقدراته، ولفتح مسارات واضحة نحو التعليم العالي وسوق العمل. فإذا كانت المدرسة قد طلبت من الطالب أن يتخصص مبكرًا، فهل من العدل أن تتجاهل الجامعة هذا التخصص عند بوابة القبول؟ إننا بهذه الطريقة نخلق فجوة تربوية عميقة، ونتسبب في إرباك الطلبة وذويهم، ونُفرغ فلسفة “المسارات” من مضمونها.
أما على مستوى صنع القرار، فإننا بحاجة إلى فهم آلية اتخاذ مثل هذه السياسات الحساسة. هل استند القرار إلى دراسات تحليلية؟ هل تم التنسيق مع وزارة التربية والتعليم والجامعات وخبراء المناهج؟ أم أننا أمام قرار إداري جاء دون قراءة شاملة للمشهد التعليمي؟
لا أحد يعارض تطوير شروط القبول ورفع السوية الأكاديمية، لكن يجب أن تكون هذه الشروط منبثقة من رؤية تربوية متكاملة، تُراعي مبدأ العدالة، وتنسجم مع طبيعة المرحلة المدرسية، وتحافظ على ثقة المجتمع بمؤسساته التعليمية.
في ظل هذه التحولات، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في سياسات القبول الجامعي، بما يضمن التناغم بين المدرسة والجامعة، ويربط القرارات التعليمية بسياقها الحقيقي، ويمنح الطالب حقه في أن يُعامل وفق تخصصه ومجاله، لا وفق رقمٍ عام لا يعبّر عن المسار الذي اختاره عن وعي وقصد.
أكاديمي مختص في الإعلام والشؤون السياسية.

