السفير نيوز
ُتعدّ جريمة الاتجار بالبشر واحدةً من أخطرِ الجرائم العابرة للحدود وأكثرها انتهاكاً للكرامة الإنسانيّة. وعلى الرغم من الجهود الدوليّة والإقليميّة لمكافحتها، إلّا أنّ هذه الجريمة لم تَعُد محصورةً بالوسائل التقليديّة، بل وجدت لنفسها مساحات جديدة في العصر الرقميّ، حيث دخلت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعيّ كعاملٍ مزدوج: أداةٌ يُمكن أن تُعزّز الجريمة من جهة، ووسيلةٌ محتملةٌ لمكافحتها من جهة أخرى.
كان الفضاء الرقميّ في البداية يُشكّل مساحةً للتواصل والتعلّم، لكنه سرعان ما تحوّل أيضاً إلى ميدان تُمارَس فيه أنشطةُ غير مشروعة، من بينها الاتجار بالبشر. ومع تطوّر أدوات الذكاء الاصطناعيّ ارتفعت خطورة هذه الجريمة، فأصبح الإنترنت وخصوصاً الإنترنت المُظلم Dark Web)) وسيلةً سهلةً لتجنيد الضحايا، سواء عبر إعلانات العمل الوهميّة، أو عبر وعود زائفةٍ بالهجرة والدراسة، أو من خلال شبكات التواصل الاجتماعيّ التي أصبحت بوابةً رئيسيّة لاستدراج الفئات الهشّة، خصوصاً النساء والأطفال.
كما ساهمت العملات الرقميّة، مثل البيتكوين وغيرها على تمدّد هذه الجريمة. فعلى الرغم من قانونيّة هذه العملات وإجازة تداولها واستخدامها في كثيرٍ من الدول لأغراض تجاريّة مشروعة، إلّا أنها أصبحت أيضاً أداةً مثاليةً لتمويل أنشطةٍ غير قانونيّة. فمُرتكبي هذه الجريمة يلجؤون إليها؛ لأنّها تُوفّر درجةً عاليةً من إخفاء الهوية، وتُتيح إجراء تحويلات ماليّة عبر الحدود من دون الحاجة إلى وسطاء مصرفيين. وهكذا يتم دفع ثمن “الخدمات” أو تبييض الأموال الناتجة عن استغلال الضحايا، في دائرة مالية شبه مستحيلة التتبع. وبالتالي فإنّ الجريمة المُنظّمة وجدت فضاءً جديداً يُضاعف من معاناة الضحايا ويُصعّب مهمّة أجهزة إنفاذ القانون.
في المقابل، فإنّه يُمكن استثمار الذكاء الاصطناعيّ كأداةٍ لمكافحة جريمة الاتجار بالبشر. إذ بدأت منُظّمات حقوق الإنسان والهيئات الأمنيّة الدوليّة باستخدام الذكاء الاصطناعيّ في رصد أنماط الاتجار بالبشر وتحليل البيانات الضخمة لاكتشاف الشبكات. على سبيل المثال، يُمكن للأنظمة الذكية تتبّع الإعلانات المشبوهة على الإنترنت، أو كشف أنماط السفر غير الاعتياديّة التي قد تُشير إلى عمليّات تهريب. كما يُمكن استخدام تقنيات التعلّم الآليّ لفهم مسارات الاستغلال الجنسيّ أو العماليّ ورصدها في وقتٍ مُبكر. بالإضافة إلى إمكانيّة توفير أدوات للضحايا للإبلاغ الآمن عن الانتهاكات وبشكلٍ سريّ دون تعريض حياتهم للخطر.كذلك، تلعب أدوات تحليل اللّغة المدعومة بالذكاء الاصطناعيّ دوراً في رصد المحادثات الرقميّة التي تحمل مؤشرات على الاستغلال أو الاستدراج، ممّا يمنح الجهات المختصّة فرصةً للتدخّل قبل وقوع الجريمة. وتُشير تجارب بعض المنظّمات الدوليّة إلى نجاح أنظمة الذكاء الاصطناعيّ في كشف شبكات تجنيد ضحايا عبر إعلانات العمل الوهميّة، أو في متابعة التحويلات الماليّة غير المشروعة المرتبطة بالجريمة.وأمام هذه المعطيات، تقف التشريعات الدوليّة والوطنيّة عاجزةً عن مواكبة التطوّرات السريعة. فالقوانين التي وُضعت لمكافحة الاتجار التقليديّ لم تُصمَّم لتواجه شبكات افتراضيّة تستخدم الذكاء الاصطناعيّ، العملات المُشفّرة، وأسواق الإنترنت المُظلم.
كما أنّ اعتماد الحكومات على المراقبة الرقميّة لمكافحة هذه الجرائم قد يُثير بدوره إشكاليّات خطيرة تتعلّق بالخصوصيّة وحقوق الإنسان إذا لم يُضبط بإطار قانونيّ واضحٍ ومُحدّد.المطلوب اليوم ليس فقط تحديث التشريعات لتشمل الفضاء الرقميّ، بل أيضاً بناء شراكة عالمية تُلزم شركات التكنولوجيا، والمؤسسات الماليّة، والحكومات بتحمّل مسؤوليّاتها. وفي النهاية، يبقى السؤال المفتوح: هل سنسمح للتكنولوجيا أن تتحوّل إلى أداة استعبادٍ جديدة، أم سنُعيد توجيهها لتكون درعاً يحمي الكرامة الإنسانيّة؟

