قراءة نفسيّة – اجتماعيّة في ظاهرة التعاطف مع فوز زهران ممداني
السفير نيوز
منذ بضعة أيام، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بين العرب – والمسلمين بشكل خاص – بخبر فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك، لا بوصفه سياسيًا شابًا خاض تجربة انتخابيّة ناجحة، بل لأنه “مسلم”. تناقلت الصفحات الخبر وكأنه فتح رمزيّ جديد، وتدفقت عبارات الفخر والتهليل من المحيط إلى الخليج: “اللهم أيّده بنصرك”، “قائد المستضعفين في أميركا”، “المنقذ الإسلاميّ الكبير”. تلك كانت عيّنات مما أغرقتنا به “بوستات” روّاد وسائل التواصل بأشكالها.
لكن الحقيقة أن المنصب لا يتجاوز حدود العمل البلديّ – إدارة الخدمات وتنظيم الشؤون المحليّة لمدينة نيويورك. فهو لم يفز بمنصب حاكم الولاية، ولا بمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. لم يأت الرجل مبشّرًأ ولا فاتحًا كما لو كان أحد قادة الفتوحات الإسلاميّة، بل موظفًا منتخبًا يؤدي دوره في إطار مدنيّ محض. فما الذي يجعل هذه الحادثة الصغيرة تتحوّل إلى موجة عاطفيّة جارفة، وكأنها حدث تاريخيّ؟
الهويّة الجمعيّة والانتصار بالوكالة
يُجيب علم النفس الاجتماعيّ عن مثل هذه الظواهر من خلال ما يُسمى نظريّة الهويّة الاجتماعيّة (Social Identity Theory) التي وضعها هنري تاجفيل وجون تيرنر في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. فالفرد لا يعرّف نفسه فقط بصفاته الشخصيّة، بل أيضًا بانتمائه إلى جماعة أو هويّة كبرى – دينيّة، قوميّة، لغويّة. هذه الجماعة تمنحه شعورًا بالاعتبار والانتماء، وتصبح جزءًا من صورته الذاتيّة.
ومن هنا، حين يحقق أحد أبناء الجماعة نجاحًا، يشعر الأفراد وكأنهم هم من انتصروا. يُسمى هذا بـ الإنجاز بالوكالة (Accomplishment Through Agency)، أي أن الذات تتماهى مع إنجاز الآخر لأنه يشترك معها في هويّة رمزيّة.
في حالة المسلمين والعرب اليوم، حيث يتكرر الإحساس بالتهميش في الإعلام الغربي أو في موازين القوى السياسيّة، يتحول أي نجاح رمزي لشخص مسلم أو عربيّ في الغرب إلى تعويض نفسيّ جمعيّ. لا يهم كثيرًا إن كان هذا النجاح في بلدية صغيرة أو في وكالة محليّة؛ المهم أنه حدث هناك، في مركز العالم المتقدّم باسم “واحد منّا”.
التعويض الرمزي وهوية الدفاع
يشير باحثون آخرون إلى ما يُعرف بـ التعوض الرمزي (Symbolic Compensation)، وهي آلية لاواعية يلجأ إليها الأفراد عندما يشعرون أن جماعتهم موصومة أو ضعيفة. فيبالغون في تمجيد أي رمز إيجابيّ يخصّهم لتأكيد قيمتهم أمام أنفسهم والآخرين. هكذا يتحوّل فوز إداريّ بسيط إلى نصر حضاريّ أو دينيّ في المخيّلة الجمعيّة.
في الغرب نفسه، لاحظت دراسات حول هويّة المسلمين أنهم يطوّرون أحيانًا ما يُسمى الهويّة الدفاعيّة (Defensive Identity): أي أن الانتماء الدينيّ يصبح وسيلة للدفاع عن الذات أمام الصور النمطيّة والاتهامات، لا مجرد التزام روحيّ. لذلك، حين يبرز مسلم في مجال عام، يُنظر إليه كمن انتصر لهويّة مهددة – علمًا أن هويته غير مهددة أصلًا – لا كفردٍ مستقلّ فحسب.
الرموز كتعويض ثقافيّ
أما من زاوية علم الاجتماع الرمزيّ، فيمكن القول إن المجتمع يُنتج رموزًا جماعيّة تشكّل ما يُعرف بـ الرأسمال الرمزي (بالفرنسية: Capital Symbolique). فالمسلم الذي يصل إلى موقع في بلد غربيّ لا يُحتفى به لشخصه فقط، بل لأنه يقدّم للجماعة رمزًا يمكن تداوله في الخطاب الجمعيّ. هذه الرموز تمنح إحساسًا بالقوة والكرامة، حتى لو كانت قيمتها الواقعيّة محدودة.
إنها آليّة مألوفة في الجماعات التي عاشت فترات من التهميش أو الاغتراب – مثال الأمريكيّون الأفارقة في حقبة التمييز العنصري. أو معاناة السود في جنوب أفريقيا خلال فترة الفصل العنصري (1948-1994) – حيث تتضخّم الرموز الصغيرة لتسدّ فجوة في الوعي الجمعيّ.
بين الفخر المشروع والمبالغة النفسيّة
من الطبيعي أن يشعر الناس بالفخر حين ينجح أحد أبناء ثقافتهم أو دينهم في مجتمع آخر. فالفخر في ذاته لا يُلام عليه أحد، بل هو علامة صحة إن لم يتحوّل إلى أوهام. لكن المبالغة في تحميل الإنجازات الفرديّة دلالات دينيّة أو سياسيّة تُفقد الحدث معناه الواقعي وتحوّله إلى صورة عاطفيّة تعويضيّة.
وهكذا يتحوّل النجاح المهنيّ إلى فتح دينيّ، والمنصب البلديّ إلى نصر حضاريّ. وفي هذا الخلط تضيع الحدود بين الاعتزاز الطبيعيّ والتهويم النفسيّ.
أخيرًا…
ما حدث مع فوز زهران ممداني لا يخصّ شخصه بقدر ما يعكس حالًا نفسيًا واجتماعيًا عند جزء واسع من العالم العربيّ والإسلاميّ: شعور بالاغتراب والرغبة في الاعتراف، يقابله بحث دائم عن رموز تثبت الوجود.
إن قراءة هذه الظاهرة في ضوء علم النفس والاجتماع لا تُنقص من الفرح الإنسانيّ بنجاح الآخر، لكنها تكشف لنا كيف تتحوّل الهويّة إلى وسيلة تعويض رمزيّ، وكيف يُصبح الفرد أحيانًا مرآة لجماعة تبحث عن ذاتها.
ولعلّ الوعي بهذه الميكانزمات النفسيّة هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها، لنحتفي بالإنسان لعمله وكفاءته، لا فقط لانتمائه.
رمزي ناري: كاتب ومترجم عراقي يُقيم في عمّا، الأردن.
ramzied@gmail.com

