في الشمال، حيث تُشبه المدن حكايات الناس البسطاء؛ هادئة، صلبة، ولا تخاف الريح، كانت الرمثا تفتح نهارها على نبأٍ ثقيل… وخفيفٍ في آنٍ واحد. ثقيلٌ بما حمل من تهديدٍ كاد أن يطرق أبواب الوطن، وخفيفٌ لأن يد الأمن أمسكت به عند اللحظة المناسبة؛ قبل أن يتحوّل الهمس في الأزقة إلى صراخٍ في الشوارع.
في ساعات الفجر الأولى، نفّذت الأجهزة الأمنية الأردنية عملية خاطفة، محكمة، واستباقية، نجحت في القضاء على تحرّكات خليةٍ إرهابيةٍ في الرمثا، كانت تخطّط لتهديد السلم الأهلي وزرع عدم الاستقرار. لم تكن العملية مجرد فعلٍ أمني… بل رسالة بأن حدود البلاد ليست مكانًا يُجيد فيه الخطر كتابة فصوله، لأن هناك من يتتبّع النقطة قبل أن تُرسَم الدائرة.
قاد العملية رجال مديرية الأمن العام، وبدعمٍ استخباريٍ وتنسيقٍ دقيقٍ من دائرة المخابرات العامة، بعد عملية رصدٍ وتعقّبٍ لشبكات الاتصال والحركة، ليتم الوصول للمشتبه بهم وتحييد الخطر دون إطالةٍ زمنية، وبمهنيةٍ أثبتت أن الأمن الأردني يعمل قبل الضجيج… ويتحدّث بالفعل لا بالكلام.
في الأردن، حيث يتجاور الأمن مع النار الإقليمية المشتعلة، تبدو كل عمليةٍ ناجحةٍ من هذا النوع دلالةً على أن الدولة لا تزال تمتلك عينًا لا تنام، ويدًا لا ترتعش، ومؤسساتٍ تعرف كيف تحمي الناس في العتمة دون أن تطلب منهم التصفيق في الضوء. فالانتصارات الحقيقية ليست تلك التي تُحتفى بمشهدها… بل التي لا تصل إلى الناس إلا بعد أن تمرّ خطورتها إلى غير رجعة.
لم يشعر أهل الرمثا بالخطر وهو يتكوّن، بل شعروا به وهو ينتهي، وكأن العملية أغلقت باب روايته قبل أن يبدأ سردها في بيوتٍ لم تتهيأ يومًا لغير صوت الأمان. وهذه هي قوة الأمن الحقيقي: أن تُنجز المواجهة قبل أن يتحوّل المواطن إلى شاهدٍ عليها.
الرمثا، التي تعرف جيدًا برد الرياح، لم تذق يومًا برد الخوف، لأن أهلها جبلوا على الثقة الصامتة بأن هذا البلد إن هبّت على أطرافه عاصفة، فإنها تصطدم بجدارٍ لا يُكتب على صفحاته إلا كلمة واحدة: الأردن.
ليست هذه البطولة الأولى لرجال الواجب، لكنها ربما من أنظفها أثرًا، لأنها حمت الناس من أن يعيشوا لحظة الفزع، ومنحتهم استمرار لحظة الاعتياد على الطمأنينة. فالدولة هنا لا تكتب الأمن كخبرٍ عابر… بل كحالةٍ راسخة، تُؤمّن للمواطن حقّه في أن يبدأ يومه بلا قلق على القادم، مطمئنًا بأن هناك من يحمل عنه ثقل الأسئلة الكبرى، ويردّ عن خارطة البلاد كل ما يُجيد التخطيط للشر.
وإذا كانت الهزائم تُقاس أحيانًا بحجم الانفجار، فإن الانتصارات تُقاس بحجم ما لم يحدث… بحجم ما تم منعه، وبقيمة ما حُمي دون أن يدخل في سرد المواطن اليومي. وهنا يكمن الفارق الأردني: أن نسمع بالتهديد بعد فنائه… لا أثناء وقوعه.
في الرمثا، انتهى خطرٌ كان يريد أن يبدأ حياته في غير أرضه، فدُفن في مهده، وبقي الناس يعبرون إلى أسواقهم وبيوتهم كما يفعلون كل صباح، يحملون على أكتافهم رغيف خبزٍ لا صوت رصاص، وقلق معيشةٍ لا قلق وطن، وإيمانًا بأن الاستقرار في هذا البلد ليس معجزة الحظ… بل معجزة العمل الصامت الذي يمتهنه من أقسموا على حراسة الأرض والناس والحدود.
وإذا كان الخطر يكتب حكاياته عادةً بالليل، فإن في الأردن من يعيد كتابتها بالفجر… ويُنهيها قبل أن تُقرأ.

