السفير نيوز
يعيش الإنسان الأردني اليوم حالةً مركّبة من القلق والإنهاك النفسي، فرضتها ظروف اقتصادية ضاغطة جعلت التفكير بالمستقبل مصدر خوف لا طمأنينة. فتكاليف المعيشة في ارتفاع مستمر، من كهرباء ومياه، إلى تعليم وصحة ونقل، حتى باتت متطلبات الحياة الأساسية تستنزف الدخل المحدود، دون أن يتبقى ما يؤمّن الحد الأدنى من العيش الكريم أو الشعور بالاستقرار.
لم يعد الأردني يفكّر بالرفاهية، بل بكيفية الصمود. ينفق ما في الجيب، ويبيع ما يملك من أرض، ويستدين من أجل تعليم أبنائه، واضعًا كل آماله في الشهادة الجامعية بوصفها بوابة النجاة الوحيدة. غير أن الواقع يصدمه حين يتخرج الأبناء ليجدوا أنفسهم في مواجهة البطالة، بلا فرص حقيقية، وبلا أفق واضح، فتتحول سنوات الدراسة إلى عبء نفسي، ويتحوّل الحلم إلى قلق دائم.
الأشد قسوة في هذه المعادلة أن الآباء يشاهدون شباب أبنائهم يتآكل أمام أعينهم، في وقتٍ يعجزون فيه عن تقديم الحل أو حتى المواساة. شباب في مقتبل العمر، يملكون الطموح والقدرة، لكنهم يصطدمون بواقع اقتصادي لا يرحم، فيدخلون في دوامة الإحباط والتعاسة، بينما تتآكل الثقة بالمستقبل يومًا بعد يوم.
ورغم هذا كله، لا يمكن إنكار حقيقة راسخة، وهي أن الأردن ينعم بنعمة الأمن والاستقرار في محيطٍ مضطرب، ولا يمكن التقليل من قيمة هذه النعمة التي حفظت الوطن وأهله من ويلات الفوضى. كما لا يمكن تجاهل جمال هذا البلد، وعمق الانتماء الذي يحمله أبناؤه له، وصبرهم الطويل على التحديات.
لكن الأمن وحده لا يصنع الحياة، والاستقرار لا يكتمل إن لم يرافقه أمل، وعدالة اجتماعية، وفرص حقيقية للعمل والإنتاج. فالمواطن الأردني لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن ترفٍ زائد، بل يطمح إلى حياة تحفظ كرامته، وتكافئ تعبه، وتمنح أبناءه مستقبلًا يستحقونه.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إدارة الأزمات، بل في إعادة بناء الثقة بين المواطن ومستقبله، عبر سياسات اقتصادية واجتماعية تعيد الاعتبار للإنسان، وتضع همومه في صدارة الأولويات. فالأردن قوي بأبنائه، ولن يكون الاستقرار مستدامًا إلا حين يشعر المواطن أن تعبه لم يذهب سدى، وأن الغد، رغم صعوبته، يستحق الانتظار.

