السفير نيوز
في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتشتد فيه المنافسة على تشكيل الوعي العام، لم يعد السؤال المطروح هو: هل يخدم الإعلام السردية الوطنية؟ بل بات السؤال الأهم: كيف يمكن للإعلام الأردني أن يخدم هذه السردية دون أن ينزلق إلى التجيير أو الدعاية؟
وهو سؤال مشروع، لأن السردية القوية لا تُفرض، بل تُبنى، ولا تُلقَّن، بل تُقنِع.
السردية الأردنية، في جوهرها، ليست خطابًا تبريريًا ولا شعارات جاهزة، بل هي قصة دولة تشكلت عبر تاريخ طويل من التوازن السياسي، والاعتدال، واحترام القانون، والثبات في المواقف، خصوصًا تجاه القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ومن هنا، فإن خدمة هذه السردية إعلاميًا تتطلب وعيًا مهنيًا عميقًا، لا حماسة عاطفية عابرة.
أول ما يحتاجه الإعلام الأردني في هذا السياق هو الانتقال من الخطاب الدفاعي إلى الخطاب التفسيري. فالإعلام الذي يكتفي بالدفاع والتبرير غالبًا ما يقع في فخ التجيير، بينما الإعلام الذي يشرح السياقات، ويفسّر المواقف، ويضع الأحداث ضمن أطرها التاريخية والسياسية، يعزّز الفهم ويكسب الثقة. كلما زاد التفسير، قلّ التجيير، وكلما اتسع الشرح، ضاق هامش الشك.
كما أن الاعتماد على الوقائع بدل الشعارات يمثل ركيزة أساسية في هذا المسار. السردية الوطنية لا تحتاج إلى لغة إنشائية أو خطاب تعبوي، بقدر ما تحتاج إلى أرقام موثقة، ومواقف رسمية واضحة، وسجل تاريخي معروف. فالمصداقية هي رأس مال الإعلام، وأي مساس بها يضعف السردية بدل أن يقوّيها.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن خدمة السردية تعني توحيد الصوت الإعلامي. على العكس، فإن التعددية المهنية داخل الإطار الوطني هي إحدى أهم علامات قوة السردية. الإعلام الذي يسمح بتعدد الآراء، والنقد المسؤول، والنقاش الهادئ، لا يهدم السردية، بل يعمّقها ويجعلها أكثر إقناعًا. السردية الهشة تخشى الاختلاف، أما السردية الواثقة فتحتضنه.
كذلك، فإن الفصل الصارم بين الخبر والرأي يظل خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه. حين يتحول الخبر إلى رأي، أو يُحمَّل بالسردية بشكل مباشر، يفقد الإعلام حياده المهني، ويقع في التجيير دون أن يشعر. السردية مكانها التحليل والتفسير، لا صياغة الخبر.
ولا يمكن للإعلام الأردني أن يخدم السردية الوطنية ما لم ينجح في ربطها بحياة المواطن اليومية. فالسردية لا تعيش في البيانات السياسية فقط، بل في تأثير السياسات على الأمن، والاقتصاد، والاستقرار، ومستقبل الأفراد. عندما يشعر المواطن أنه جزء من القصة، لا مجرد متلقٍ لها، تتحول السردية إلى وعي جماعي حي.
في القضايا الإقليمية، وعلى رأسها فلسطين، تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي هادئ، متزن، يبرز ثبات الموقف الأردني تاريخيًا، دون انجرار للمزايدات أو الاستقطاب. فالسردية الأخلاقية لا تحتاج إلى رفع الصوت، بل إلى وضوح الموقف واستمراريته.
خلاصة القول، إن الإعلام الأردني يخدم السردية الوطنية حقًا عندما يبني المعنى بدل أن يفرضه، ويعزّز الوعي بدل أن يوجّهه قسرًا، ويكسب ثقة الجمهور بدل أن يطالب بها.
فالسردية التي تُبنى بالمهنية تبقى،
أما السردية التي تُقدَّم بالتجيير، فسرعان ما تفقد تأثيرها، مهما ارتفع صوتها.

