السفير نيوز
سأعيد يا ولدي رسالتي لتفهم فحواها، وما تخبئه بين سطورها من أسرار وما تحمله من وجع الرجال الذين عبروا الحياة بقلوب صلبة وأكفٍ امتلأت بتراب الوطن.
سأقول… ستدفعك الأيام يا ولدي أن تتجرع كأساً مذاقه علقم، في بئر الحكايات المظلم، وفي زمن الذكريات التي قد لا تروق لك اليوم، لكنها ستعود إليك ذات مساء، فتفهم لماذا كان الشيوخ يطيلون الصمت، ولماذا كانت عيونهم تقرأ ما لا تقوله الألسن.
سيعتريك الخوف والرهبة مما سمعت، وستطغى تلك الصور على أحلامك، وسترى الشوك في الطريق الذي عبده الرجال قبلك، وستدرك أن العقبات لم تكن قدراً، بل امتحاناً لمن أراد أن يحمل اسماً ووطناً وموقفاً.
يا ولدي… لم أكن يوماً منافقاً، ولا طاعناً في الظهر، ولا صاحب أجندات خفية، ولا متملقاً على أبواب الرجال، لم أتعلم أن أبيع المواقف، ولا أن أبدل القناعات لأجل مصلحة عابرة، لأن من يملك الحجة لا يحتاج إلى الخصومة، ومن تربى على الكرامة لا يرفع نفسه بخفض الآخرين، تعلمت أن الرجل يُعرف بثباته لا بتقلبه، وأن الكلمة الصادقة قد تثقل على أصحاب المصالح، لكنها تبقى خفيفة على ضمير صاحبها.
يا ولدي اسمع وعي … فلف سجائر الهيشي لا يتقنه إلا الرجال الذين جرحت أقدامهم سهول الأردن وجباله، ولا يُجيد مسك الفدان إلا من لعب بتراب الأرض، وعرف القادم والشاعوب والبيدر، وعرف كل حجر فيها، وكل حبة قمح وسنبلة ترعرعت في أعماقها، وسقاها من عرق جبينه، ولمن ركب دابته في ظلمات الليل ليسقي بساتين الخير من نبع الأرض، وعرف حراثة العفير، وأكل وجهه صقيع الصباح، ورسم التلم الذي يلي الآخر، وحدا بهجينيه وهو يتلثم بشماغ العز.
وأنت يا ولدي، حين تقرأ تاريخ الأردن وحضارته، عليك ان تقرا عن رجالات الاردن وفلسطين الذين ضحو من أجل الاردن، فمنهم من قلته صدقه واخلاصه على أرض الاردن، ومنهم من كسره المنافقين وأصحاب الاجندات، ومنهم من كُسر قلمه وبعثرت اوراقه، اقرأ ياولدي وتمعن، عسى ان تعى ما يدور حولك، وكيف صنع الرجال مبادئ العروبة والتآخي بالمواقف لا بالشعارات.
اقرأ يا ولدي… لعل تلك الرموز تعلمك أن الأردن ليس حدوداً على خارطة، بل تاريخ وحضارة وصمود، وأن رجالاته لم يحمل كثير منهم أعلى الشهادات، لكنهم حملوا أعلى القيم، فكانوا يفكون الخط، ويرسمون الحروف على الورق بجمل الوطنية.
اقرأ أنت وأجيالك من أبناء الوطن، عسى أن تفهموا رسالتي، وأن تدركوا أن الأردن والأردنيين مجد وكبرياء، وأن الأوطان لا يبنيها المتملقون ولا أصحاب الأجندات، بل يبنيها أصحاب المواقف الذين إذا قالوا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا اشتدت الخطوب بقوا واقفين كالسنديان، لا ينحنون إلا لله.

