السفير نيوز
إن تصوير الأحزاب المندمجة على أنها السبب الرئيس في تعثر تجارب الإندماج ، أو إعتبارها حجر عثرة في مسيرة الحزب الجديد ، هو طرح يفتقر إلى الموضوعية والإنصاف ، لأن نجاح أي عملية إندماج لا يعتمد على طرف دون آخر ، بل هو مسؤولية جماعية تقع في المقام الأول على قيادة الحزب ، وعلى رأسها الأمين العام ، الذي يفترض أن يكون قائدًا يوحّد ولا يفرّق ، ويحتضن ولا يُقصي ، ويجمع الكفاءات ولا يُهمّشها .
إن إندماج الأحزاب ليس مجرد إجراء تنظيمي ، بل هو ضرورة وطنية ملحة ، فرضتها متطلبات تحديث الحياة السياسية في الأردن ، وإنسجامًا مع الرؤية الإصلاحية الحكيمة التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني إبن الحسين ، والتي تقوم على بناء أحزاب وطنية قوية ، ذات برامج حقيقية ، وقادرة على تداول السلطة وخدمة الوطن والمواطن .
ومن الظلم أن يُحمّل الحزب المندمج وحده مسؤولية أي تعثر ، بينما قد يكون الخلل الحقيقي في غياب الإدارة الرشيدة للإندماج. فإذا لم يضع الأمين العام خطة واضحة لإستيعاب القيادات الجديدة ، ولم يعقد لقاءات دورية معهم ، ولم يستمع إلى آرائهم ، ولم يفتح أمامهم أبواب المشاركة في صنع القرار ، فمن الطبيعي أن يشعروا بالتهميش ، وأن تبقى آثار الإنتماء السابق قائمة .
إن القيادة الناجحة لا تُدار بعقلية المنتصر والمهزوم ، ولا بمنطق الغالب والمغلوب ، وإنما بعقلية الشريك الذي يرى في كل كفاءة إضافةً للحزب وقيمةً وطنية يجب المحافظة عليها . أما التفرد بالرأي ، وإحتكار القرار ، والنظر إلى القيادات القادمة من الأحزاب المندمجة بإعتبارها عبئًا أو منافسًا ، فهو الذي يصنع الإنقسام الحقيقي ويُفشل أي تجربة إندماج مهما كانت أهدافها نبيلة .
كما أن الكفاءات الشبابية والنسوية لا ينبغي أن تكون مجرد عناوين تُذكر في الخطابات ، بل يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من مواقع صنع القرار ، وأن تُمنح الفرصة الكاملة لتقديم أفكارها ومبادراتها ، لأن الأحزاب التي لا تستثمر طاقات شبابها ونسائها تحكم على نفسها بالجمود والتراجع .
إن الحزب الذي يقبل الإندماج لا يقدم تنازلًا ، بل يقدم نموذجًا وطنيًا متقدمًا ، لأنه يؤمن بأن قوة الوطن تكمن في توحيد الجهود ، وتجميع الخبرات ، والإستفادة من جميع الطاقات الوطنية دون تمييز أو إقصاء . وهذه الرؤية هي التي تنسجم مع مشروع التحديث السياسي الذي أراده جلالة الملك عبدالله الثاني ، والقائم على أحزاب برامجية قوية ومؤثرة ، لا على كيانات صغيرة متفرقة تستهلك جهودها في الخلافات الداخلية .
لذلك ، فإن المطلوب اليوم ليس توجيه أصابع الإتهام إلى الأحزاب المندمجة ، وإنما بناء ثقافة جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية ، والإحترام المتبادل ، والعمل بروح الفريق الواحد . وعلى الأمين العام مع كل الإحترام للأمناء العامين أن يكون أول من يجسد هذه الثقافة ، من خلال إشراك الجميع في وضع الخطط والبرامج ، والإستفادة من الخبرات المتراكمة ، وإذابة الفوارق التنظيمية والنفسية ، حتى يشعر كل عضو بأنه شريك كامل في الحزب الجديد .
إن نجاح الإندماج لا يُقاس بإعلان الإتفاق ، بل بقدرة القيادة على تحويل التنوع إلى قوة ، والخبرات إلى إنجاز ، والإختلاف إلى تكامل . أما الإقصاء والتفرد بالقرار ، فلن ينتجا إلا أحزابًا ضعيفة ، مهما كان إسمها أو حجمها .
ولهذا ، فإن إندماج الأحزاب سيبقى ضرورة وطنية ملحة ، وليس خيارًا عابرًا ، لأنه الطريق لبناء حياة حزبية ناضجة ، وتوحيد الجهود ، وإستثمار الكفاءات والخبرات الوطنية ، وإيجاد أحزاب قوية قادرة على حمل رسالة الوطن ، وتحقيق تطلعات الأردنيين ، وتجسيد الرؤية الملكية السامية في تحديث الحياة السياسية وبناء مستقبل أكثر قوة وإستقرارًا .
د.نسيم أبو خضير يكتب : اندماج الأحزاب… مسؤولية مشتركة لا يجوز تحميلها لطرف واحد

