السفير نيوز
في النظام الأكاديمي الأردني، تُعتبر رتبة “أستاذ” أعلى المراتب العلمية، تسبقها “أستاذ مشارك” و”أستاذ مساعد”. يُفترض أن تمثل هذه الرتبة تتويجًا لمسيرة أكاديمية حافلة بالبحث والتدريس وخدمة المجتمع.
غير أن الواقع يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ إذ يجد الأستاذ نفسه، بعد بلوغ هذه المرتبة، في بيئة جامعية لا تُقدّر خبراته، بل تُعامله كعبء مالي. تتجنب الجامعات تعيين الأساتذة لتقليل النفقات، وتُفضّل توظيف رتب أدنى. يُقبل الأستاذ غالبًا لتلبية متطلبات الاعتماد أو عبر “الواسطة”، حيث تُهيمن المجاملات على قرارات التوظيف.
كما أشار سمو الأمير الحسن في حديثه الأخير، فإن نسبة التوظيف في الجامعات الأردنية على أساس الكفاءة لا تتعدى ٣١ إلى ٣٥٪، بل لا تتجاوز ٣٠٪ في كثير من الأحيان. هذه الأرقام تعكس واقعًا مؤلمًا يعكس التحديات التي يواجهها الأساتذة في الجامعات الأردنية، حيث تُفقد الكفاءات الحقيقية في التوظيف لصالح معايير أخرى قد تكون بعيدة عن الجدارة الأكاديمية.
عند مواجهة هذا الواقع، تُنكر وزارة التعليم العالي والجامعات وجود المشكلة، وتُشير إلى مبادرات دعم البحث والتعليم، مستندة إلى تصنيفات دولية ومنشورات في قواعد بيانات مثل سكوبس. لكن الواقع يُظهر أن الأستاذ يُعتبر عبئًا ماليًا وإداريًا، لا قيمة مضافة. تسعى الإدارات الجامعية إلى التخلص منه عبر عدم التجديد أو التقاعد المبكر أو تقليص التكليفات.
هذا الوضع يدفع الأساتذة إلى حالة “بقاء” بدلاً من “إنتاج”، حيث يعملون تحت ضغط التدريس، دون دعم بحثي أو أفق مهني واضح. لا يُتاح لهم تفريغ علمي حقيقي، ولا تحفيز معنوي أو مادي، ولا رؤية مؤسسية ترى في الأستاذ ركيزة لبناء الجامعة.
السؤال الجوهري: كيف يمكن إعادة تمكين الأستاذ ليصبح منتجًا للمعرفة، لا عبئًا على المؤسسة؟ كيف نُخرجه من وضع الدفاع إلى وضع الفعل؟ كيف نُعيد الجامعات إلى مسار البحث والإبداع، لا فقط تنفيذ مؤشرات شكلية للاعتماد؟
نطمح إلى جامعات أردنية تُنتج حلولًا لمشكلات المجتمع، وتبني اقتصادًا معرفيًا حقيقيًا. لكن الواقع يُظهر أن أغلب المؤسسات والشركات ترفض التعاون البحثي مع الجامعات لعدم وجود منفعة متبادلة. يُصمَّم البحث غالبًا فقط ليستوفي الطالب متطلبات التخرج، لا ليحل مشكلة حقيقية.
هناك ممارسات أخرى تحتاج إلى مراجعة شاملة، لكن ما نحتاجه الآن هو الاعتراف بالحالة، ووضع خطة جادة لتغييرها، تبدأ بإعادة الاعتبار لدور الأستاذ كباحث، لا مجرد عبء إداري مؤقت.

