السفير نيوز
عندما نكتب عن الرجال الكبار، نتوقف كثيرًا قبل أن نصوغ الكلمة، لأن الأقلام مهما اجتهدت تبقى عاجزة عن الإحاطة بسيرة قامة وطنية مثل دولة طاهر المصري. هذا الرجل الذي عُرف بعصاميته، وبساطته، ووطنيته الصادقة، لم يكن يومًا طالبًا لمجد شخصي ولا ساعيًا وراء الأضواء، بل ظلّ وفيًا لبلده وأهله في كل موقع خدم فيه.
وُلد طاهر حكمت المصري عام 1942 في مدينة نابلس فلسطين، المدينة التي أنجبته كما تنجب الزيتون والزيت الطيب. وفيها أكمل دراسته الأولى، ثم تابع تحصيله العلمي في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1963. وهناك تفتحت آفاقه على الفكر العربي الحر، وتشكلت شخصيته الوطنية التي سترافقه في كل مراحل حياته.
بدأ مسيرته المهنية في المجال الاقتصادي والدبلوماسي، فخدم في وزارة الخارجية الأردنية، ثم دخل العمل البرلماني والسياسي، حتى أصبح رئيسًا لمجلس النواب، ثم رئيسًا للوزراء عام 1991 في فترة حساسة من تاريخ الأردن والمنطقة، حيث برزت حكمته وحنكته وقدرته على إدارة الأزمات.
عرفه الأردنيون رجلًا متواضعًا، لا يتكلّف في حديثه ولا يخرج على النص، صاحب أدب جمّ وحضور رصين، ينصت أكثر مما يتكلم، ويترك في القلوب أثرًا طيبًا أينما حلّ. لا ينظر إلى ما في يد من أمامه، ولا يحمل في قلبه إلا الإخلاص لوطنه وأبناء شعبه، وهذا ما جعله قريبًا من الجميع، محبوبًا من كل من عرفه أو تعامل معه.
وما يميّزه أكثر أنه كان وما يزال محبًا صادقًا للعرش الهاشمي، ومخلصًا لجلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله. ظلّ وفيًا للبيت الهاشمي الذي قاد مسيرة الوطن بحكمة وحنكة، مشاركًا في حمل الرسالة التي تجمع الأردنيين على المحبة والولاء والانتماء.
وفي قلبه الكبير مساحة خاصة لفلسطين؛ فقد حملها معه في وجدانه وقضيته، وكان صوته دائمًا نصرةً للحق الفلسطيني، وإيمانًا بعدالة قضيته، والتزامًا بمكانتها المركزية في ضمير كل أردني.
وكيف لا، وهو ابن نابلس، مدينة العراقة والتاريخ، التي أنجبت هذا الرجل العظيم، فكانت كما لو أنها صاغته من حجارتها الصلبة وطيبة أهلها. نابلس التي تعطي رجالها للوطن كما تعطي زيتونها وزيتها، قدّمت للأردن وفلسطين قامة بحجم طاهر المصري.
ومن يتعامل مع دولة طاهر المصري يلمس فورًا صفاء معدنه، وطيب سريرته، وتواضعه الجمّ الذي قلّ أن نجد له مثيلًا. هو رجل عظيم بحجمه الإنساني والوطني، ورمز لا تكرره الأيام بسهولة.
وإن تأخرت في الكتابة عنه، فإنما هو عجز أمام عظمة هذه القامة الوطنية، وحياء أمام تواضع رجل لا يحب المديح، ولا يسعى إليه. لكنه يستحق أن يُذكر دائمًا، وأن ندعو له بالشفاء العاجل ودوام الصحة والعافية، فهو رمز من رموز الدولة الأردنية، ووجه من وجوهها المشرقة.
سلامات لدولة ابو نشأت ، ودعاؤنا أن يمده الله بالصحة بالعافية ليبقى بين أهله ومحبيه، شاهدًا على مرحلة من
أنبل مراحل العطاء الوطني.
أحمد مفلح..

