السفير نيوز
من بعيد، تبدو الحياة كلوحة مكتملة الألوان؛ أصوات تختلط في الشوارع، وجوه تتزاحم في المقاهي، أحاديث لا تنتهي، وضجيج يملأ الأفق حتى يكاد يخنق الصمت.
كل شيء يوحي بالامتلاء كأنه لا مكان لشيء آخر.
لكن في العمق، حين نغلق الباب على أنفسنا ونواجه أرواحنا بصراحة، نكتشف حقيقة مغايرة: هناك مساحة خالية، فراغ يتسلل برفق لكنه يثقل القلب، سؤال صامت لا يجيب عليه ازدحام الخارج.
هذا الفراغ ليس هشاشة ولا عيبًا فينا، بل هو جوهر الوجود الإنساني؛ دليل على أن أرواحنا لا تكتفي بالزينة الخارجية، ولا تشبع بالضوضاء ولا بالمظاهر. إنه النداء الداخلي الذي يلحّ علينا: “أين المعنى؟”
قد نملأ يومنا بالمهام، ونحشو حياتنا بالعلاقات، لكن المعنى لا يُستورد من الخارج، بل يُصنع في الداخل. الفلاسفة قالوا إن الإنسان كائن يبحث عن معنى قبل أن يبحث عن لذة، وإن الفراغ الذي نحسه هو مساحة خصبة للبحث، لا عجزًا يجب التستر عليه.
أحيانًا يكون هذا الفراغ أشبه بجرس إنذار ، يذكّرنا أننا لسنا آلات، بل أرواح عطشى للصدق، للحب النقي، للسلام الداخلي، ولغاية تجعل وجودنا أبعد من مجرد البقاء.
فالامتلاء الحقيقي لا يُقاس بعدد الأصوات حولنا، ولا بكثرة الأصدقاء أو الإنجازات، بل بنوعيه أولئك الاصدقاء ، وبمدى قدرتنا على أن نجد ذواتنا وسط الضجيج ، وأن نصنع سكينةً وسط الفوضى، وأن نزرع أثرًا يبقى حتى بعد أن يذوب كل إزدحام.
ليس كل ازدحام إمتلاء، وليس كل صمت فراغ، المعنى وحده هو ما يملأ القلب نعم القلب فقط .

