د. عُريب هاني المومني تكتب : بانوراما حقوق الإنسان الرقميّة في الأردن لعام 2025: تطوّر ملموس وتحدّيات قابلة للحلّ
Share
SHARE
السفير نيوز
في عام 2025، يقفُ الأردن عند مفترق طرقٍ حاسمٍ بين تسارعِ التحوّل الرقميّ من جهة، ومتطلّبات حماية حقوق الإنسان في العصر الرقميّ من جهةٍ أخرى. فالتكنولوجيا لم تَعُد أداةً مُحايدة؛ بل أصبحت عاملاً مُؤثراً في بنية الحقوق والحريّات، من حريّة التعبير والخصوصيّة إلى الحقّ في الوصول إلى المعلومات والمشاركة العامّة. والسؤال المركزيّ اليوم ليس ما إذا كانت التكنولوجيا ستُؤثّر على حقوق الإنسان، بل كيف يُمكن توجيه هذا التأثير لصالح الإنسانِ والمجتمع. فقد أظهرت التجربة الأردنيّة خلال هذا العام وجهاً مُتقدّماً من التفاعل الإيجابيّ بين التكنولوجيا والحقوق والحريّات الأساسيّة، حيث ساهمت الدولة الرقميّة في تسهيل وصول المواطنين إلى خدمات أساسيّة كانت تتطلّب وقتاً وجهداً كبيرين في السابق. فالخدمات الإلكترونيّة في مجالات الصّحة والتعليم والمعاملات الرسميّة عزّزت الحقّ في الوصول المتكافئ، وقللت من الأعباء الإداريّة، وساهمت في تقليص البيروقراطيّة. هذا التطوّر مثّل خطوةً إيجابيّة نحو ترسيخ مبدأ العدالةِ في تقديم الخدمات العامّة، وأتاح للأفراد ممارسةَ حقوقهم اليوميّة بطريقةٍ أكثرَ كفاءة ووضوحاً. ومع ذلك، يبقى التحدّي في ضمان استفادة جميع الفئات من هذه الخدمات، خاصّةً من يواجهون صعوبات في الوصول إلى التكنولوجيا أو استخدامها، وهو تحدٍّ يُمكن تجاوزه عبر التوعيةِ والتدريب، وتوسيع البنيةِ التحتيّة أي من خلال ردم الفجوة الرقميّة. وفيما يتعلّق بالحقّ في الخصوصيّة وحماية البيانات الشخصيّة، إذ يُعدّ هذا الحقّ واحداً من الحقوق الأكثر تأثّراً بالتطوّر التكنولوجيّ، فقد تزايد في هذا العام جمع البيانات من خلال التطبيقات الحكوميّة أو الخاصّة ومنصّات التواصل الاجتماعيّ، وأنظمة الدفع الإلكترونيّ؛ من أجل تحليلها بهدف تحسين الخدمات واتخاذ القرارات، فهذه البيانات بمثابة العمود الفقريّ للاقتصادِ الرقميّ والإدارةِ الحديثة. والتحدّي هنا لا يكمنُ فقط في وجود تشريعات لحماية البيانات، بل في كيفيّة تطبيقها وضمان استقلاليّة الجهات الرقابيّة. فغيابُ الشفافيّة حول مسارات استخدام البيانات، أو ضعف وعي الأفراد بحقوقهم الرقميّة، قد يُحوّل البيانات من أداةٍ للتنمية إلى وسيلةٍ للمراقبة أو الإقصاءِ غير المقصود. بالإضافة إلى ذلك فقد أصبحَ الفضاء الرقميّ الساحةَ الأوسع للتعبيرِ والمشاركةِ العامّة في الأردن، خصوصاً بين الشباب. فوسائلُ التواصل الاجتماعيّ وفّرت منصّات للنقاش السياسيّ والاجتماعيّ، وسلّطت الضوء على قضايا كانت مهمّشةً في الإعلام التقليديّ. غير أنّ هذا الاتّساع ترافقَ مع جدلٍ مُتواصلٍ حول حدود حريّة التعبير، وخطاب الكراهيّة، والمساءلةِ القانونيّة عن المحتوى الرقميّ. ووفقاً للمعايير الدوليّة لحقوق الإنسان، فإنّ من المفترض أن تكون أيّ قيودٍ على التعبير ضروريّةً ومتناسبةً ومُحدّدةً بالقانون. أمّا العدالةُ وعدم التمييز فقد كان لها نصيبٌ أيضاً من تأثير التطوّر التكنولوجيّ، إذ اعتمدت العديد من القطاعات على الذكاء الاصطناعيّ في اتّخاذ القرارات مثل التوظيف والخدمات المصرفيّة وحتى التحليل الإداريّ والأمنيّ. وعلى الرغم من أنّ الاعتماد على الخوارزميّات في اتّخاذ مثل هذه القرارات قد يُوحي بالحياد والنزاهة، إلّا أنّ استخدامها يُثير أسئلةً حقوقيّةً دقيقةً تتعلّق بالعدالةِ والشفافيّة. فهذه القرارات قد تحملُ تحيّزات غير مرئيّة، يصعبُ على الأفراد فهمها أو الطعن بها. وفي غياب أطرٍ تنظيميّةٍ واضحةٍ، يُصبح الحقّ في المحاكمة العادلةِ أو تكافؤ الفرص مُهدّداً بقرارات آليّة لا تخضع للمساءلة التقليديّة. تزامن كلُّ ذلك بازدياد المبادرات المتعلّقة بالتوعية والتثقيف في الأمن الرقميّ. فقد شهد الأردن خلال هذا العام ازدياد المبادرات التوعويّة والتعاون بين المؤسسات الرسميّة والمجتمعِ المدنيّ، وهذا التطوّر عزّز قدرة الأفراد على حماية أنفسهم في الفضاء الرقميّ، ورفع مستوى الثقة في استخدام التكنولوجيا. فعلى الرغم من وجود بعض المخاطر الإلكترونيّة، إلّا أنّ التعامل معها بات أكثرَ نُضجاً، من خلال الوقاية، والتبليغ، وتطوير آليات الاستجابة، ما يجعل الأمن الرقميّ جزءاً داعماً لمنظومة حقوق الإنسان. تعكس بانوراما حقوق الإنسان الرقميّة في الأردن لعام 2025 صورةً إيجابيّةً لمسارٍ يتّجه تصاعدياً نحو توظيف التكنولوجيا كأداةٍ للتمكين لا للتقييد. فالتحوّل الرقميّ، حين يُدار برؤيةٍ حقوقيّةٍ، قادرٌ على تعزيز المساواة، وتوسيعِ المشاركة، وتحسينِ جودة الخدمات العامّة. ورغم استمرار بعض التحدّيات إلّا أنّها قابلةٌ للحلّ عبرَ سياسات مدروسة، وشراكةٍ فاعلةٍ بين الدولة والمجتمع. وبهذا الشكل تلعبُ التكنولوجيا دورها الإيجابيّ بكونها شريكاً في حماية وتعزيز الحقوق والحريّات، لا تهديداً لها.