د.نسيم أبو خضير يكتب: “تغيير الأسماء… لا يُحسِّن الأداء “
Share
SHARE
السفير نيوز
معهد الإدارة العامة .
في زمنٍ كانت فيه الكفاءةُ تُصنَعُ صناعةً ، والقيادةُ تُبنى على أصولها ، كان معهدُ الإدارةِ العامة عنوانًا للثقة ، ومدرسةً وطنيةً تُخرِّج رجالًا ونساءً يحملون همَّ المسؤولية قبل لقبها ، ويُتقنون الإدارة قبل ممارستها . كنا ، حين نسمع أن فلانًا قد أُوفِد إلى المعهد لدورةٍ عُليا ، ننظر إليه بعين التقدير ، ونوقن أن عودته لن تكون كما ذهابه ، يعود أكثر وعيًا ، وأدقَّ قرارًا ، وأرسخَ منهجًا . كان خريجُ المعهد يُحسب له ألفُ حساب ، لا لأنه يحمل شهادة ، بل لأنه يحمل منهجَ دولةٍ في الإدارة . اليوم ، نقف أمام تساؤلٍ مشروع : لماذا يُستبدل “ معهدُ الإدارةِ العامة ” ” بالأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية ” ؟ هل المشكلة كانت في الاسم ؟ أم في المضمون ؟ وهل يكفي تغيير العنوان ليتغيّر المحتوى ، أم أن التطوير الحقيقي يبدأ من الداخل : من البرامج ، ومنهجية التدريب ، ومعايير الإختيار ، وقياس الأثر ؟ إن الإدارةَ الناجحة لا تُبدِّل أسماءها كلما واجهت تحديًا ، بل تُراجع أدواتها ، وتُحسِّن مساراتها ، وتُقيس نتائجها . التطوير ليس لوحةً جديدة على باب المؤسسة ، بل رؤيةٌ تُترجم إلى خطط ، وخططٌ تُقاس بمؤشرات أداء ، ومؤشراتٌ تُفضي إلى أثرٍ ملموس في كفاءة القرار الحكومي وخدمة المواطن . نخشى — ونحن نُحب هذا الوطن — أن يكون إستبدال الإسم خطوةً شكلية لا تمسّ الجوهر . فالأكاديمية — أيًّا كان مسماها — لن تصنع فرقًا إن لم تُبنَ على الإرث المهني العريق الذي صنعه المعهد ، وإن لم تُطوِّر برامجه وفق حاجات الدولة الحديثة : حوكمة ، وقيادة رقمية ، وإدارة أزمات ، وتحليل سياسات ، وثقافة مؤسسية قائمة على النزاهة والشفافية . وهنا يبرز سؤالٌ آخر لا يقل أهمية : لماذا لا نؤسِّس معاهدَ إدارةٍ أولية داخل الوزارات الكبرى ، وعلى رأسها وزارةُ التربيةِ والتعليم ؟ قطاعٌ بحجم التربية ، بخصوصية رسالته ، يحتاج إلى إعدادٍ إداريٍّ متخصص ، يُراعي طبيعة المدرسة ، والبيئة التعليمية ، والتحديات اليومية للمدير والمشرف . إن بناء قيادات تربوية واعية يبدأ من معهدٍ أوليٍّ يُصقل المهارات الأساسية لمدة عامٍ كامل ، يُخرِّج كوادر جاهزة لقيادة الميدان بكفاءة . ولِمَ لا تُعمَّم الفكرة على بقية الوزارات ؟ معاهدُ إدارةٍ أولية تُعنى بالتأهيل التأسيسي ، تُركِّز على مهارات التخطيط ، وإدارة الفرق ، وإتخاذ القرار ، والتواصل المؤسسي ، وخدمة المتعاملين . ثم يُنتقى المتفوقون — بمعايير صارمة — لإلتحاقهم ببرامج متقدمة في معهدِ الإدارةِ العامة ( أو الأكاديمية ) ، ليحصلوا على دوراتٍ عليا تُعمِّق التفكير الإستراتيجي ، وتمنحهم أدوات القيادة الحديثة . بهذا التسلسل ، نصنع سُلَّمًا وطنيًا للقيادة : تأهيلٌ أوليٌّ داخل الوزارة ، ثم صقلٌ متقدم في المعهد ، ثم تمكينٌ في مواقع القرار . عندها فقط ، يصبح للإسم معنى ، وللمؤسسة أثر ، وللشهادة وزن . إن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي : تغيير الأسماء لا يُحسِّن الأداء ، ما لم يتغيّر ما وراء الأسماء . التطوير الحقيقي هو في المحتوى ، والمدرب ، والمتدرب ، وآليات القياس . هو في ربط التدريب بمسارٍ وظيفيٍّ واضح ، وفي مساءلةٍ عادلة : من تعلّم ، ماذا طبّق ؟ ومن قاد ، ماذا أنجز ؟ نريد أكاديمية — إن سُمّيت كذلك — تكون إمتدادًا مُطوَّرًا لا قطيعةً مع الماضي ، تُحافظ على هيبة المعهد ، وتُضيف إليه روح العصر . نريد مؤسسةً تُعيد للبرنامج التدريبي مكانته ، ولخريجه وزنه ، حتى إذا قيل : “ هذا خريج الإدارة العامة ” ، عاد ذلك الشعور القديم بالثقة والإعتداد . في النهاية ، ليس السؤال : ماذا نُسميها ؟ بل السؤال الأصدق : ماذا تُنتج ؟ ومن تُخرِّج ؟ وكيف نقيس أثرها ؟ فإن أحسَنّا الإجابة ، بقي الأثر … مهما تغيّر الاسم .