المهندس حسان القضاة
في الفترة الأخيرة، أصبح هناك انطباع شائع بأن أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على بناء أي تطبيق أو موقع بمجرد كتابة بعض الأوامر، وكأن التخطيط والخبرة لم يعودا ضروريين. هذا الانطباع مضلل، بل وخطير عندما يُنقل إلى مشاريع حقيقية.
الحقيقة أن بناء تطبيق أو منصة تعمل بشكل مستقر وتستمر مع الوقت لا يمكن أن يعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده، حتى لو كان الشخص الذي يستخدمه مبرمجًا. توليد الكود لا يعني بالضرورة فهمه، ومعرفة الأساسيات التقنية لا تكفي لبناء نظام يتحمّل الضغط، يحافظ على البيانات، ويكبر دون أن ينهار.
نحن لا نتحدث عن تجارب سريعة أو نماذج عرض، بل عن أنظمة حقيقية يستخدمها آلاف الأشخاص في نفس الوقت، وتحتوي على بيانات حساسة، ويُفترض أن تتطور مع الزمن. هذا النوع من الأنظمة يحتاج رؤية واضحة منذ اليوم الأول، وليس حلولًا سريعة مؤقتة.
أي مشروع تقني ناجح يبدأ بخطة: كيف يعمل النظام؟ كيف تنتقل البيانات داخله؟ ما الذي يجب أن يبقى ثابتًا، وما الذي يمكن تغييره لاحقًا؟ عندما يتم تجاوز هذه الأسئلة، يبدو كل شيء جيدًا في البداية، لكن المشاكل تظهر فور محاولة التوسع أو إضافة ميزة جديدة. عندها يكتشف الفريق أن النظام مبني بطريقة عشوائية، فيضطر إلى إعادة البناء من الصفر، وأحيانًا يكرر نفس الخطأ مرة أخرى لأن المشكلة كانت في الفهم من البداية.
مثال واقعي شائع:
شركة ناشئة أطلقت منصة حجوزات بسرعة، وجمعت كل المعلومات في مكان واحد دون تنظيم: المستخدم، الخدمة، السعر، والحالة. في البداية نجح الأمر، لكن مع زيادة عدد المستخدمين بدأت المشاكل. تغيير سعر خدمة واحدة أثّر على طلبات قديمة، نفس المستخدم تكرر أكثر من مرة داخل النظام، وضاعت بعض الحجوزات. وعند إضافة خاصية الإلغاء واسترجاع الأموال، لم يعد الفريق قادرًا على معرفة أي عملية دفع تعود لأي طلب، وظهرت فروقات مالية غير مفهومة. ومع زيادة الضغط، أصبح النظام بطيئًا وبدأ يتوقف في أوقات الذروة.
في النهاية، لم يكن الحل إلا إعادة تنظيم النظام بالكامل، وفصل البيانات، وربطها بشكل صحيح، حتى يتمكن التطبيق من الاستمرار والعمل بثبات.
وهنا النقطة المهمة التي يجب توضيحها:
الذكاء الاصطناعي ليس المشكلة، بل هو أداة قوية جدًا عندما يُستخدم في مكانه الصحيح، مثل تحليل المتطلبات، تسريع التطوير، المساعدة في الاختبار، وتحسين التوثيق. لكنه لا يعوّض غياب الفهم، ولا يبني نظامًا متماسكًا بدل الإنسان.
الخلاصة ببساطة:
الهندسة لا يمكن تجاوزها. أي مشروع تقني يحتاج شخصًا يعرف ماذا يبني، ولماذا، وكيف، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي لدعمه لا ليحلّ محله. بدون هذا الوعي، ستفشل المشاريع مهما كانت الأدوات المستخدمة متقدمة.

