السفير نيوز
في كل مرة يمرّ فيها الأردن بمنعطفٍ حساس، أو تهبّ عليه رياح الإقليم المثقلة بالقلق، تتكاثر الأصوات التي تتحدث باسم الوطنية، وترتفع النبرات التي تُزايد على انتماء الأردنيين، وكأنّ هذا الشعب بحاجةٍ إلى من يعرّفه بنفسه، أو يلقّنه دروس الوفاء لوطنٍ كُتب في وجدانه قبل أن يُكتب في الدستور.
لكن الحقيقة، التي يعرفها الأردنيون جيدًا ويعيشونها يوميًا، أنّ الانتماء في هذا البلد ليس شعارًا يُرفع عند الأزمات، ولا خطابًا يُستدعى في لحظات التوتر، بل هو حالة متجذّرة في الوعي الجمعي، تمتدّ من تفاصيل الحياة البسيطة إلى المواقف الكبرى التي صاغت تاريخ الدولة.
الأردني، بطبيعته، لا ينتظر من يذكّره بوطنه. هو الذي حمل هذا الوطن في أصعب الظروف، حين ضاقت الموارد واتسعت التحديات، وحين كان الإقليم من حوله يغلي بالصراعات. لم تكن الوطنية يومًا صراخًا على المنابر، بل كانت صبرًا في وجه الضيق، وعملًا بصمت، وثقةً بأنّ هذا البلد، رغم كل شيء، يستحق أن يُحمى ويُبنى.
أما تلك الأصوات التي ترتفع فجأة عند كل أزمة، وتُكثر من توزيع صكوك الوطنية، فهي في الغالب لا تعكس حرصًا بقدر ما تعكس قلقًا على مواقعها، أو رغبةً في اقتناص لحظةٍ تبدو سانحة لتحقيق مكاسب ضيقة. إذ إنّ أخطر ما يمكن أن يُصاب به مفهوم الوطنية هو تحويله إلى أداةٍ للمزايدة، أو وسيلةٍ لإقصاء الآخرين، أو منصةٍ لرفع الذات على حساب الجماعة.
أما أولئك الباحثون عن فرصٍ إضافية لتحقيق مكاسب شخصية، ممن يتسلّقون سلّم الأزمات بخطاباتٍ جوفاء، فعليهم أن يدركوا أنّ الوعي الاجتماعي في الأردن لم يعد قابلًا للانقياد وراء هرطقاتٍ مكشوفة. فالمجتمع الذي خبر التحولات، وعاين تناقضات الخطاب، بات أكثر قدرةً على التمييز بين من يتحدث للوطن، ومن يتحدث باسمه لتحقيق مصالحه. ولم يعد من السهل تمرير الشعارات المُعلّبة على حساب وعيٍ جمعيٍّ تشكّل عبر التجربة، وتحصّن بالإدراك، ورفض أن يكون أداةً في لعبة المصالح الضيقة.
الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت، بل بعمق الفعل، ولا تُختبر في لحظة انفعال، بل في استمرارية الالتزام. هي أن تحمي الدولة بمؤسساتها، وأن تنتقد بوعي لا بهدم، وأن تختلف دون أن تُفرّق، وأن ترى في تنوّع الأردنيين مصدر قوة لا مدعاة للتشكيك.
لقد أثبت الأردنيون، عبر عقود طويلة، أنّهم شركاء في بناء الدولة، لا مجرد جمهورٍ يتلقّى الخطاب. وهم، في كل أزمة، يُعيدون تعريف الوطنية بسلوكهم لا بكلماتهم؛ في تضامنهم، في التفافهم حول وطنهم، وفي إدراكهم العميق بأنّ استقرار الأردن ليس ترفًا، بل ضرورة وجود.
لذلك، فإنّ ما يحتاجه الأردنيون اليوم ليس مزيدًا من الخطب المرتفعة، بل خطابًا عاقلًا يثق بوعيهم، ويحترم تاريخهم، ويعزّز وحدتهم بدل أن يختبرها. خطابٌ يدرك أنّ الوطنية ليست ملكًا لأحد، ولا حكرًا على فئة، بل هي مساحة مشتركة تتسع للجميع، بقدر ما يتسع الوطن لأبنائه.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد وطنية تُقال، أم وطنية تُمارس؟
لأنّ الأوطان لا يحميها الضجيج، بل يحميها أولئك الذين يعملون لها بصمت، ويؤمنون بها في كل وقت… لا فقط حين تشتدّ الأزمات.

