السفير نيوز
في جو مفعم برؤية أكاديمية حداثية تسعى لتجسير الفجوة بين النظرية والتطبيق، اختتمت في العاصمة الأردنية أعمال “ملتقى طلبة وخريجي القيادة التربوية وإنتاج المعرفة”الاول ،” ليُشكّل منصة فكرية رفيعة عملت على التشبيك الإيجابي بين نخبة من الباحثين والخريجين والأساتذة ممن يمثلون نتاجات وإبداعات مدرسة القيادة التربوية العريقة في الجامعة الأردنية .
القى الاستاذ الدكتور اخليف الطراونة رئيس الملتقى كلمة تحمل بين ثناياها رسائل عديدة من التصميم والارادة والتطوير والابداع والتحدي والعمل الدؤوب للوصول الى تحقيق الاهداف المنشودة .
وتاليا كلمة الدكتور الطراونة :
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، نبينا ومعلمنا سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين أجمعين.
أصحاب السعادة والعطوفة
أساتذتنا الأجلاء، الذين علّموا فأخلصوا، وبذلوا فأثروا، وكانوا قدوةً في العلم، ونبراساً في الفكر، ومصدر إلهامٍ في مسيرة البحث والاجتهاد.
الزميلات والزملاء الأعزاء، شركاء الرحلة العلمية، وحَمَلة الهمّ الأكاديمي المشترك.
أبنائي وبناتي طلبة الدكتوراه، والزملاء الخريجون في برنامج القيادة التربوية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أقف أمامكم اليوم لا بصفتي متحدثاً في افتتاح ملتقى فحسب، بل بصفتي مؤمناً بأن الأفكار العلمية الصادقة قادرة على أن تتحول إلى مشاريع أكاديمية ووطنية تصنع أثراً حقيقياً في التعليم والمجتمع، وأن اللقاءات التي تُبنى على الإيمان بالعلم والحوار قد تكون بداية لتحولات فكرية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
وأقف أمامكم بكل الاعتزاز والامتنان في هذا الملتقى الأول، الذي لا نريده لقاءً عابراً، بل نريده لحظة تأسيس حقيقية، وبداية مشروع أكاديمي مستدام، يؤمن بأن القيادة التربوية ليست مجرد تخصص أكاديمي أو شهادة تُضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما رسالة ومسؤولية، ورؤية تتجاوز حدود الذات إلى بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
ومن الوفاء الواجب أن نبدأ بتحية التقدير والعرفان لأساتذتنا الكرام، الذين لم يكتفوا بتعليمكم المعرفة، بل علموكم كيف تفكرون، وكيف تبحثون، وكيف تتحملون مسؤولية العلم بأمانة وتجرد.
فلهم منا جميعاً بالغ الشكر وعظيم الامتنان.
كما أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الزميلات والزملاء الحضور، الذين لبّوا الدعوة وشاركوا هذا اللقاء إيماناً منهم بأن العلم لا يكتمل إلا بالحوار، وأن المجتمعات الأكاديمية الحية تُبنى بالتواصل والتكامل وتبادل الخبرات.
أيها الحضور الكريم،
إن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العظيمة لا تُقاس بعدد مبانيها أو برامجها فقط، بل بقدرتها على بناء العقول، وربط المعرفة بالفعل، وتحويل الباحثين إلى قادة يمتلكون الرؤية والشجاعة والقدرة على التأثير.
ومن هنا جاءت فكرة هذا الملتقى؛ ليكون مساحة للفكر، ومنصة للحوار، وجسراً يمتد بين طلبة اليوم وخريجي الأمس، وبين التجربة الأكاديمية ومتطلبات الواقع، وبين النظرية والتطبيق.
ولهذا اخترنا أن يحمل ملتقانا الأول عنوان: “القيادة التربوية وإنتاج المعرفة”؛ لأننا نؤمن أن المعرفة الحقيقية ليست تلك التي تبقى حبيسة الرسائل الجامعية والأرفف الأكاديمية، بل تلك التي تتحول إلى أثر، وإلى قرار، وإلى ممارسة قادرة على تطوير التعليم وخدمة المجتمع وبناء الإنسان.
إن القيمة الحقيقية لأي بحث علمي لا تُقاس بعدد صفحاته، بل بقدرته على ملامسة الواقع، وفهم التحديات، وتقديم حلول قابلة للحياة، وصناعة فرقٍ حقيقي في المؤسسات التعليمية والمجتمعات الإنسانية.
إننا لا نجتمع اليوم بوصفنا أفراداً متفرقين، بل بوصفنا مجتمعاً علمياً يحمل رسالة مشتركة: كيف نصنع قيادة تربوية قادرة على فهم التحولات المتسارعة، واستشراف المستقبل، وإعادة تعريف التعليم بوصفه مشروعاً وطنياً وإنسانياً وحضارياً.
أيها الحضور الكريم،
إن ما يميز هذا الملتقى أنه لا يقوم على فكرة “العرض الأكاديمي التقليدي” فقط، بل يقوم على فلسفة الحوار العلمي التشاركي؛ ولذلك صُممت جلساته لتجمع بين التجربة والخبرة والفكرة المستقبلية.
فمن “قصص خريجي البرنامج: من الأطروحة إلى التأثير”، إلى “العيادة البحثية لطلبة الدكتوراه”، وصولاً إلى “مختبر الأفكار البحثية”،
نحاول اليوم أن نعيد تعريف العلاقة بين الباحث والواقع، وبين الجامعة والمجتمع، وبين المعرفة والتأثير.
ونحن نؤمن أن المجتمعات التي تستثمر في البحث العلمي الحقيقي، وتمنح الباحثين مساحات للحوار والتكامل، هي المجتمعات الأقدر على صناعة المستقبل، لأن المعرفة لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت قوة استراتيجية تُبنى بها المؤسسات، وتُصاغ بها السياسات، وتُدار بها التحولات الكبرى.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الأمم التي استثمرت في القيادات التربوية الواعية استطاعت أن تعيد تشكيل مستقبلها؛ لأن القائد التربوي الحقيقي لا يدير مؤسسة فقط، بل يصنع ثقافة، ويبني إنساناً، ويؤسس وعياً جمعياً قادراً على حماية الدولة وتطوير المجتمع.
ومن هنا، فإن طموحنا يتجاوز عقد لقاء أو تنظيم فعالية؛ فنحن نطمح إلى تأسيس تقليد أكاديمي راسخ يستمر ويتوسع عاماً بعد عام، ليشمل طلبة الماجستير والدكتوراه والخريجين والباحثين في مختلف الجامعات الأردنية العامة والخاصة، ضمن إطار علمي تشاركي يؤمن بأن المعرفة تتعاظم بالحوار، وأن الخبرات تنضج بالتكامل، وأن المستقبل لا تصنعه الجهود الفردية المنعزلة.
إن هذا الملتقى ليس ملكاً لشخص، ولا لجيل، بل هو فكرة نريد لها أن تكبر بكم، وأن تستمر بعطائكم، وأن تتحول إلى منصة علمية تجمع الباحثين والمفكرين والخبراء وصنّاع القرار حول قضية التعليم والقيادة وصناعة المستقبل.
وفي عالم اليوم، لم تعد المؤسسات الأكاديمية تُنافس بعدد الخريجين فقط، بل بقدرتها على إنتاج الأفكار، وصناعة الحلول، وقيادة التغيير.
ولذلك فإن مسؤوليتنا — نحن الباحثين في القيادة التربوية — لا تتوقف عند حدود البحث العلمي، بل تمتد إلى بناء وعي تربوي جديد، قادر على فهم التحولات العالمية، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي، والثورة الصناعية الخامسة، والتحولات الرقمية، والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تعيد تشكيل مستقبل التعليم في العالم كله.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، وتتبدل فيه المهن والمهارات بوتيرة غير مسبوقة، تصبح القيادة التربوية أكثر من أي وقت مضى مسؤولية استراتيجية؛ لأن بناء الإنسان سيبقى الاستثمار الأكثر أمناً، والأعمق أثراً، والأبقى على مر الزمن.
فالأفكار الكبيرة لا تبدأ دائماً بإمكانات كبيرة، لكنها تبدأ بإيمان صادق، ثم تكبر بالعقول المخلصة، والجهود التي تؤمن برسالتها.
وفي ختام هذه الكلمة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى شركة اليمامة للتدريب والتنمية والتربية الإعلامية والمدنية والريادة، ممثلةً بمديرها العام الأستاذة داليا الكباريتي، على تنظيم هذا الملتقى واحتضان فكرته،
كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل من أسهم في الإعداد لهذا الملتقى وإنجاحه، وأخص بالشكر جميع أعضاء اللجنة التحضيرية:
د. رانيا صوالحي، على ما أبدته من اهتمام كبير، ومتابعة دقيقة، وحرص صادق على تفاصيل العمل كافة، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في إخراج هذا الملتقى بالصورة التي نطمح إليها جميعاً.
د. هناء الجهران، على ما قدمته من جهدٍ صادق وعملٍ مخلص وروحٍ مؤمنة بفكرة الملتقى ورسالتها؛ فقد كانت حاضرة في تفاصيل العمل بشغفٍ ومسؤولية، وكان لعطائها وجهودها أثرٌ واضح ومقدر في نجاح هذا الملتقى وتميزه.
الدكتورة ختام رضوان، على جهودها الكريمة ومساهمتها في إنجاح هذا الملتقى.
والأستاذة مروة البنوي، على ما بذلته من جهدٍ ومتابعة وحرص أسهمت في دعم مسيرة الإعداد والتنظيم.
وأقول لكم جميعاً:
لعل هذا الملتقى يبدأ اليوم كفكرة، لكنه — بإذن الله — سيتحول معكم إلى ذاكرة أكاديمية ممتدة، ومنصة علمية تليق بالباحثين وطلبة العلم، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، ومن الفكر، ومن التعليم.
فلنؤسس معاً تقليداً علمياً يبقى بعدنا، وتكبر به الأجيال القادمة، ويثبت أن الأفكار الصادقة قادرة دائماً على أن تصنع أثراً أبقى من الزمن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

