السفير نيوز
لم يكن معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عزمي محافظة بحاجة إلى من يشرح له عواقب الصراحة حين تحدث عن واقع بعض مؤسسات التعليم العالي، فهو يدرك جيدًا تركيبة المشهد، ومراكز النفوذ، وتشابك المصالح بين التعليم والمال والسياسة. ومع ذلك، اختار أن يضع مصلحة الوطن فوق المجاملة، وأن يفتح ملفًا مسكوتًا عنه منذ سنوات، يعلم تمامًا أن فتحه سيُشعل هجمات ممنهجة تقودها أطراف متضررة من أي إصلاح حقيقي.
تصريحات الوزير لم تكن ارتجالًا ولا تهورًا، بل موقفًا واعيًا ومدروسًا، أراد به أن يدق ناقوس الخطر، ويُحمّل الدولة والرأي العام والأكاديميين مسؤولية الانحرافات التي تشهدها بعض الجامعات الخاصة، من تضليل في التصنيفات، وتلاعب في البحث العلمي، وممارسات مالية وإدارية لا تمت للأخلاق الأكاديمية بصلة.
الوزير لم يأتِ بجديد على من يعرف تفاصيل المشهد، لكنه كان أول مسؤول يُعلنها بلا مواربة: هناك جامعات تدفع للحصول على تصنيفات دولية لا تعكس في الواقع مستواها الأكاديمي الحقيقي. وهناك من يُمارس “مناورات ورقية” عبر أبحاث مدفوعة أو منسوخة أو وهمية، فقط لزيادة الأرقام في تقارير التصنيف.
لكنّ الأمر لا يقف عند هذا الحد. فبعض الجامعات تمنع الطلبة من تقديم الامتحانات أو استلام شهاداتهم إلا بعد تسديد كل قرش من الرسوم، دون النظر إلى أوضاعهم، ودون تقدير لحقهم القانوني في إنهاء متطلباتهم الأكاديمية. وهناك خريجون فقدوا فرص عمل لأن شهاداتهم محجوزة، لأسباب مادية بحتة.
أما أعضاء هيئة التدريس، فبعضهم يُفاجأ بإنهاء خدماته دون سابق إنذار، رغم سنوات طويلة من العطاء، ما يطرح علامات استفهام حول الاستقرار الأكاديمي وأخلاقيات الإدارة الجامعية.
وتزداد الصورة قتامة حين نعلم أن بعض الجامعات الخاصة –التي سُجّلت أصلًا كشركات غير ربحية– حصلت على اعتمادات باستخدام أسماء أكاديميين غير مقيمين في الأردن، وبعضهم لم يُدرّس فيها يومًا. هذا وحده يستدعي مساءلة حقيقية من مؤسسة الاعتماد وضمان الجودة.
وما يثير الاستغراب والقلق معًا، أن شخصيات سبق أن تقلدت مناصب وزارية أو عليا، تشغل اليوم مواقع في مجالس أمناء جامعات خاصة، أو ترأسها. وكان الأجدر بهؤلاء أن يكونوا أمناء على رسالة التعليم العالي، لا شهودًا على الخروقات. بل إننا نشهد حالات لبعضهم توسلوا التعيين في جامعات خاصة ، وتم رفضهم، ثم تم احتواؤهم لاحقًا من قبل جامعات أخرى في إطار تبادل المنافع، لا بناء الكفاءات.
وهنا لا بد أن نؤكد أن الهجمات على الوزير لم تكن عفوية، بل مدفوعة وموجهة من قبل بعض مُلاك الجامعات الخاصة الذين رأوا في تصريحاته تهديدًا مباشرًا لمنظومتهم القائمة على النفوذ والمال والمظهر لا الجوهر. فحرّكوا أدوات إعلامية وشخصيات مرتبطة بمصالح مباشرة لتشويه صورة الوزير، والتشكيك في نواياه.
ورغم ذلك، فإننا لا نعمم. فهناك جامعات أردنية كثيرة –حكومية وخاصة– ترتقي إلى مستوى الاحترام، وتحافظ على نزاهتها الأكاديمية، وتبني سمعتها بالاجتهاد لا بالتزوير. وهذه المؤسسات تستحق الدعم والإشادة، ويجب أن تُشكّل النموذج الذي يُحتذى به.
من هنا، فإننا نثمّن شجاعة الوزير عزمي محافظة، ونعتبر ما قاله خطوة أولى في طريق إصلاح طويل لا يحتمل التأجيل. ونطالب بفتح ملفات التعليم العالي بشفافية، وبوضع معايير حقيقية للمساءلة، تحمي الطلبة والأساتذة، وتحفظ للجامعات هيبتها وسمعتها.
لقد قرع الوزير الجرس، وآن الأوان أن لا نصمّ الآذان.

