السفير نيوز
.
في ساحة جامعة اليرموك، كان المشهد مهيباً؛ شاب عشريني ضرير يتسلم شهادة البكالوريوس في الإرشاد النفسي، يرفعها عالياً كمن يرفع راية النصر بعد رحلة كفاح طويلة. إنّه محمد السويطي، الشاب الذي أتكأ على كتف أمه .. عانق الحياة ببصيرته لا ببصره، وقرر أن يجعل من فقدان والده ومن عجز عينيه بدايةً لا نهاية.
محمد، بعقله الراجح وإيمانه الصلب، لم ينكفئ على جرحه، ولم يركن إلى العزلة أو اليأس، بل مضى في طريق محفوف بالتحديات. سنوات الجامعة لم تكن سهلة، بين مراجع تحتاج إلى تحويلها إلى “برايل” أو نسخ مسموعة، ومحاضرات يتطلب متابعتها جهداً مضاعفاً، فضلاً عن الظروف المادية والنفسية التي أحاطت به. غير أنّ عزيمته كانت أقوى، وإصراره كان أشد رسوخاً من كل العوائق.
زملاؤه يشهدون أنّه لم يتأخر يوماً عن محاضرة، ولم يسلّم بحثاً إلا في موعده، وكان أكثرهم إشراقاً بحضوره وإرادته. حمل عصاه البيضاء في طريقه إلى الجامعة، لكنه كان يحمل معها نور قلبه وعقله، ليثبت أنّ النجاح لا يعرف حدود الجسد بل رحابة الروح.
وحين ارتدى روب التخرج، كان محمد السويطي يروي للعالم قصّة انتصار إنسان على كل ما بدا مستحيلاً: انتصر على اليُتم، على فقدان البصر، على قسوة الظروف. كتب سطراً جديداً في سجل الإرادة، وأطلق رسالة مدوّية: إن الحلم إذا حملناه على الأكف، يفتح لنا أبواب المستحيل.
وفي الوجدان تبقى قصته أكثر من شهادة جامعية؛ هي مشعل يضيء دروب العابرين من عتماتهم الخاصة. إنّ محمد يعلّمنا أنّ الحياة لا تهزم من يقرر أن يحياها بعزم وكرامة، وأن القلب المبصر قادر أن يرى ما لا تراه العيون.
هنا تبرز مسؤولية الدولة والمجتمع في تبنّي مثل هذه الطاقات، فمحمد وأمثاله ليسوا مجرد قصص عابرة، بل ثروة بشرية تستحق الرعاية والتمكين. إنّ الاستثمار في عزائمهم هو استثمار في مستقبل الوطن، فهم يملكون القدرة على الإسهام الفاعل متى ما وجدوا الدعم والاحتضان.
فليكن محمد السويطي بداية لالتفاتة جادة نحو الكفاءات من ذوي الإعاقة، ولتكن قصته نداءً بأن النجاح لا يُصنع وحده، بل يحتاج إلى مؤسسات تُدرك أنّ الوطن ينهض حين ينهض جميع أبنائه.

