السفير نيوز
في الزرقاء، مدينة الجند والعسكر مصنع الرجال والتي يختلط فيها صخب المصانع بصفاء البيوت البسيطة، وُلد أيمن الصفدي. هناك، تعلّم أن البدايات المتواضعة تصنع
رجالًا يعرفون قيمة الطريق أكثر من نهايته.
شابًا، حمل حقيبته وكتابًا، وغادر نحو الجامعات، يبحث في الأدب والإعلام عن مفاتيح العالم. لم يكن يعرف أن الكلمات التي خطّها يومًا على صفحات الجرائد ستصبح لاحقًا جسورًا يمرّ عليها إلى دهاليز السياسة. كان الصحفي الذي يركض خلف الخبر، يلاحق الحقيقة كما يلاحق الضوء ظلاله، لا يرضى أن تكون الأمور نصف واضحة أو نصف صادقة.
ثم جاء التحوّل. من المكاتب الصغيرة إلى القصور الكبيرة، من صفحات الجرائد إلى قاعات المؤتمرات الدولية. لكن شيئًا لم يتغير فيه: بقيت في داخله عين الصحفي التي ترى التفاصيل الصغيرة وسط ازدحام العناوين العريضة.
في الخارجية، جلس إلى الطاولة الكبيرة ممثلًا لوطنه، يزن كلماته كما يزن الذهب. يعرف أن كل جملة قد تُحسب على الأردن، وكل صمت قد يُقرأ رسالة. ومع ذلك، لم يفقد هدوءه. يتكلم وكأنه يخاطب التاريخ لا اللحظة، وكأن كل كلمة منه حبة رمل في بناء قادم.
يجوب العالم متنقّلًا بين نيويورك وواشنطن، بين بروكسل والقاهرة، بين عمّان وكل عاصمة تحتاج لصوت. يحمل الأردن في صدره كما يحمل الابن صورة والده، لا يتركها، لا يساوم عليها. وفي قلبه فلسطين، جرحٌ لا يندمل، يذكّره كل صباح أن الدبلوماسية بلا عدالة لا تعني شيئًا.
«لن يحصل الإسرائيليون على الأمن، ما لم يحصل الفلسطينيون على أمنهم وحقوقهم، والأمن لا يمكن تجزئته فإما أمناً للجميع، وإما نرى أنفسنا سنة بعد سنة نغرق في دوّامات العنف والقتل التي يذهب ضحيتها الأبرياء.»
في هذه الكلمات، لا نرى رجلًا يتلو بروتوكولين دبلوماسيين بل صوتًا إنسانيًا يرفض الظلم، يرفض أن تُختصر القضية الفلسطينية في أرقام وبيانات، بل يراها حياةً وحقًا ووجعًا.
هو ذلك الذي يدرك أن حماية الإنسان ليست خيارًا بل
واجب وأن الأمن لا يُبنى إلا إذا بُني للكل، لا لبعضهم
دون بعض.
ورغم صخب السياسة، بقي أيمن الصفدي الرجل البسيط. يجلس مع صحفي شاب كما يجلس مع رئيس دولة، يمد يده بابتسامة، ويصغي كأن لا شيء أهم من الحديث الذي يجري أمامه. تواضعه لم يكن قناعًا، بل امتدادًا لطفولته الأولى في الزرقاء، حيث الكرامة تُقاس بالصدق لا بالمناصب.
اليوم، حين يُذكر اسمه، لا يُنظر إليه كوزير فقط، بل كحكاية صاغتها الكلمة، ونسجتها الأسفار، وثبّتها الإصرار. رجلٌ بدأ من حبر الصحافة، وانتهى إلى حبر التاريخ.
احمد المفلح..

