د.عُريب هاني المومني تكتب : الميراث الرقميّ: تحدّيات حقوق الإنسان في العصر الرقمي
Share
SHARE
السفير نيوز
مع تزايد ارتباط حياتنا اليوميّة بالإنترنت، لم يعد الميراث يُختزل في بيتٍ أو أرضٍ أو حسابٍ مصرفيّ. فاليوم يترك الإنسان وراءه صوراً ورسائل وذكريات على فيسبوك، ملفات على “آي كلاود”، وحتى أصولاً ماليّة في محافظ إلكترونيّة أو عملات رقميّة مُشفّرة، وهذا ما يُعرف اليوم بـ “الميراث الرقميّ”. فالقضيّة لا تقتصر على الذكريات، بل تتعدّاها إلى الاقتصاد. فهناك أشخاص يملكون قنوات يوتيوب أو صفحات على منصّات التواصل الاجتماعيّ تُحقّق دخلاً، وكذلك محافظ إلكترونيّة وأصولاً رقميّة يُمكن أن تضيع قيمتها إذا لم توجد نصوص قانونيّة واضحة تُنظّم انتقالها. وهنا يتحوّل الميراث الرقميّ من شأنٍ شخصيّ إلى مسألةٍ تمسّ الأمن الماليّ للأسر. فالميراث الرقميّ يتعلّق بحقّ الورثة في الوصول إلى هذه الأصول والممتلكات الرقميّة والتصرّف فيها وفقاً للقانون أو إرادة صاحبها. إنّ الواقع القانونيّ في العديد من الدول – بما فيها الدول العربيّة – لا يزال غير واضحٍ حول كيفيّة التعامل مع هذه الحقوق. ويُعتبر غياب تشريعات مُوحّدة أحد التحدّيات الرئيسيّة للميراث الرقميّ. ففي بعض الدول، يسمح القانون للورثة بالوصول إلى الحسابات الشخصيّة للمُتوفّى، بينما في دول أخرى تُعدّ هذه الحسابات ملكاً للمنصّة نفسها، لا للورثة. علاوةً على أنّ بعض المنصّات العالميّة مثل فيسبوك وجوجل بدأت بتوفير أدوات لإدارة الحسابات بعد الوفاة، إلّا أنّ هذه الإجراءات في الغالب تظلّ محدودة ومُوجّهة وفق شروط المنصّة نفسها وليس وفقاً للقانون الوطنيّ أو إرادة المتوفّى. هذا التباين يضع الكثير من العائلات في مواقف مُعقّدة عند محاولتها استعادة بيانات أو ممتلكات رقميّة للمتوفّى، وغالباً ما يتطلّب الأمر اللّجوء إلى القضاء. من الناحية الحقوقيّة، يطرح الميراث الرقميّ تساؤلات عديدة منها: هل للورثة الحقّ في الاطّلاع على الرسائل الخاصّة للمتوفّى؟ هل يُمكنهم بيع أو نقل ممتلكاته الرقميّة؟ وما هي حدود المسؤوليّة القانونيّة تجاه الأصول الرقميّة التي قد تتضمّن معلومات حساسّة عن الآخرين؟ إنّ هذه الأسئلة ليست مجرّد نقاشٍ قانونيّ، بل تتعلّق بالكرامة الرقميّة للفرد وحقّه في التحكّم في إرثه الرقميّ وخصوصيّته، حتى بعد وفاته. إلى جانب هذه التساؤلات الحقوقيّة، فإنّ لهذه القضيّة جوانب تقنيّة أيضاً، ولتجنّب أيّ إشكاليّات مستقبليّة فمن المفترض العمل على توعية الأفراد للتفكير مُسبقاً في كيفيّة إدارة إرثهم الرقميّ، مثل إنشاء قوائم بالحسابات والبيانات المهمّة، وتحديد من يُمكنه الوصول إليها بعد الوفاة (الأوصياء الرقميّين). فهذا التخطيط المُسبق لا يحمي الأصول الرقميّة فقط، بل يُحافظ على خصوصيّة المُتوفّى وكرامته الرقميّة، ويُقلّل من الصراعات القانونيّة بين الورثة. وبالتالي يُمكن القول إنّ الميراث الرقميّ لا يعني الوصول لكلّ شيء، بل الوصول لما يُعتبر حقّاً قانونيّاً وشرعيّاً للورثة، دون المساس بكرامة أو خصوصيّة المُتوفّى. وعليه فإنّه من المهم العمل على الموازنة ما بين احترام خصوصيّة المُتوفّى وكرامته وبين حقّ الورثة في الممتلكات الرقميّة. إنّ قضية الميراث الرقميّ تُذكّرنا بأنّ حقوق الإنسان في العالم الرقميّ لا تنتهي بالموت، وأنّ الحاجة إلى قوانين واضحة وأدوات تحمي خصوصيّة وكرامة المُتوفّى أصبحت أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى. فالعالم الرقميّ جزءٌ لا يتجزأ من حياتنا، ومن الضروريّ أن يمتدّ احترام الحقوق والكرامة ليشمل هذا البعد الجديد.