السفير نيوز
تشهد المؤسسات الرسمية والأكاديمية والمهنية تزايدًا ملحوظًا في عدد الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات والندوات، حتى باتت تشكّل جزءًا ثابتًا من المشهد الإداري والفكري المعاصر. ورغم ما يُفترض أن تحققه هذه الفعاليات من تبادل للمعرفة، وصناعة للقرار، وتعزيز للتعاون، فإن تساؤلًا مشروعًا يفرض نفسه: ما مقدار الأثر الحقيقي لهذه الفعاليات على أرض الواقع؟
من منظور علم الإدارة والاتصال المؤسسي، تُعد الاجتماعات وسيلة وليست غاية بحد ذاتها. فعاليتها تُقاس بمدى تحقيقها لأهداف واضحة، وقابلة للقياس، ومتصلة بحاجات حقيقية، لا بعدد ساعات الانعقاد ولا بعدد الحضور. غير أن الواقع يُظهر أن كثيرًا من هذه الفعاليات تتكرر بأجندات متشابهة، وخطابات عامة، وتوصيات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، لتتحول مع الزمن إلى ما يشبه الطقوس التنظيمية أكثر من كونها أدوات تغيير.
تشير دراسات حديثة في إدارة الوقت والحوكمة المؤسسية إلى أن فرط الاجتماعات يؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والمالية، ويُضعف الإنتاجية، ويخلق ما يُعرف بـ“إرهاق الاجتماع” (Meeting Fatigue)، حيث يشارك الأفراد حضورًا دون تفاعل حقيقي، وتغيب القرارات الحاسمة لصالح المجاملات أو التكرار.
وفي السياق الأكاديمي، تبرز إشكالية أخرى تتمثل في كثرة المؤتمرات العلمية التي تفتقر أحيانًا إلى معايير صارمة للجودة أو المتابعة البحثية. فالبحث العلمي لا يُقاس بعدد الأوراق المقدَّمة، بل بتأثيره العلمي، وبقدرته على الإضافة، وبمدى استفادة المجتمع وصانع القرار من نتائجه.
لا يعني هذا النقد الدعوة إلى إلغاء الاجتماعات أو المؤتمرات، بل إلى إعادة تعريفها وإعادة هندستها. فالمطلوب هو الانتقال من منطق “الحدث” إلى منطق “الأثر”، ومن الكم إلى النوع، ومن التوصيات المكتوبة إلى خطط تنفيذية ذات مسؤوليات زمنية واضحة.
إن الاجتماع الناجح هو ذاك الذي يُحدث فرقًا после انتهائه، والمؤتمر المؤثر هو الذي يُغير فكرة أو يُسهم في حل مشكلة، لا الذي يُضاف إلى أرشيف الصور والتقارير. وفي زمن تتسارع فيه التحديات الاقتصادية والتقنية والمعرفية، لم يعد ترف الوقت ولا الموارد يسمح بأن نبقى أسرى فعاليات لا تتجاوز كونها سرابًا تذروه الرياح.
ختامًا، فإن الرهان الحقيقي ليس في كثرة اللقاءات، بل في صدق الأهداف، ووضوح الرؤية، والمساءلة عن النتائج. فبدون ذلك، ستبقى الاجتماعات كثيرة… والأثر قليل.

