السفير نيوز
ليست المعاناة دائمًا مرضًا في الجسد ، أحيانًا تكون إنتظارًا طويلًا ، وقلقًا متراكمًا ، وأعصابًا أنهكها التعب ، خلف أبواب المراكز الصحية .
في زيارتي إلى مركز صحي الحبيهة الشامل ، لم يكن الألم في العيادة ، بل في الوقت الذي تسرّب من أعمار المراجعين وهم واقفون على الدور ، ينتظرون عودة نظام حكيم بعد تعطّله المتكرر .
دخلنا المركز والنظام معطّل . إنتظرنا حتى عاد ، ثم وقفنا طويلًا على الدور ، دخلنا إلى الطبيب ، خرجنا إلى دور آخر لتسعير العلاجات ، ثم دور للمحاسبة ، ثم توجهنا إلى الصيدلية … وهناك ، عند الساعة الثانية والنصف ، توقّف نظام حكيم مرة أخرى .
وقفنا ننتظر علّه يعود ، لكنه لم يفعل ، فغادرنا دون أن نصرف العلاج ، وكأن رحلة العلاج إكتملت إلا في أهم محطاتها .
لكن ما آلمني حقًا ، ولم يفارق ذاكرتي ، لم يكن تعطل النظام ، بل المشهد الإنساني داخل المركز .
رأيت الإرتباك واضحًا على وجوه الكوادر ، ورأيت العبء الأكبر على عاتق مديرة المركز، التي وقفت في مواجهة الغضب والتذمر ، لا بسُلطة ولا بحدّة ، بل بأدب جمّ وصدر واسع .
كانت تخاطب الجميع بعبارات تسبقها الإنسانية على الوظيفة :
“يا والدي… يا والدتي… يا أستاذ… يا أختي”
تشرح بلطف ، وتهدئ ، وتؤكد أن التقصير ليس من الطاقم الطبي ، بل من نظامٍ تقنيٍّ خرج عن الخدمة .
في المقابل ، كان هناك صراخ ، وتذمّر ، وكلمات محرجة أُطلقت بحق من لا ذنب لهم ، وكأن التعب حين يطول يبحث عن أي عنوان ليصبّ عليه غضبه . ومع ذلك ، بقيت المديرة والطاقم ثابتين ، يحاولون إمتصاص الإحتقان ، وحماية كرامة المراجع قبل أي شيء آخر .
هذه المقالة ليست ضد نظام حكيم بوصفه فكرة ، فالنظم الإلكترونية وُجدت لتسهيل الخدمة لا لتعقيدها ، لكنها صرخة إنسانية تطالب بأن يكون لهذا النظام خطة بديلة ، وأن لا يُترك المراجع – خاصة كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة – رهينة شاشة متوقفة ورسالة “ النظام معطّل ”.
الطاقم الطبي ليس مسؤولًا عن الأعطال ، لكنهم أول من يدفع ثمنها نفسيًا وأخلاقيًا . والمراجع ليس خصمًا ، بل صاحب حق ، جاء يبحث عن دواء لا عن تبرير .
حين يتعطّل النظام ، يجب ألا تتعطّل الرحمة ، ولا الكرامة ، ولا حق المريض في العلاج .
وإذا كان لا بد من كلمة شكر، فهي لتلك الإدارة التي وقفت في خط النار ، تحمي ما تبقى من هدوء ، وتُذكّرنا أن الطب ليس أجهزة فقط ، بل أخلاق وصبر وإنسانية .

