السفير نيوز
كل عام وأمهات الأردنيين والأردنيات بألف خير، وكل عام لكل ابنٍ أو بنتٍ ما زالت أمّه على قيد الحياة: تمسّكوا بها، اقتربوا منها، واغتنموا كل لحظة بقربها. فالأم ليست مجرد شخص في حياتنا، بل هي نعمة عظيمة، وقطعة من الجنة نعيش معها دون أن ندرك قيمتها الكاملة إلا حين نفتقدها.
هذا العام، يأتي عيد الأم مختلفًا بالنسبة لي. إنه أول عيد يمرّ دون أمي. يأتي حزينًا، ثقيلًا، ممتلئًا بالفراغ الذي لا يُملأ، وبالشوق الذي لا يُهدأ. الكلمات التي كانت تنساب بسهولة حين كنت أكتب عنها وهي أمامي، أصبحت اليوم عاجزة، متعثرة، وكأنها ترفض أن تصف غيابًا لا يُحتمل.
كنت أراها، أكتب عنها، أصف حبّها وحنانها وهي بقربي. أما اليوم، فأكتب عنها وهي في دار الآخرة، بعيدة عن عيني، لكنها أقرب ما تكون إلى قلبي. لم تعد الذكريات مجرد ماضٍ جميل، بل أصبحت وطنًا أعيش فيه كلما اشتدّ عليّ الحنين.
أمي لم تكن فقط أمًّا، كانت الأمان الذي ألوذ به، والطمأنينة التي تسكن قلبي، والسند الذي لا يميل. كانت تنتظرني كل ليلة، مهما تأخرت، لا تنام حتى أعود. تفتح الباب بلهفة، تستقبلني بابتسامة دافئة، وتحتضنني وكأنها تعيد لي الحياة من جديد. في حضنها كان كل شيء يهدأ، وكل تعب يزول، وكل خوف يتلاشى.
بعد رحيلها، أدركت أن وجود الأم ليس أمرًا عاديًا كما نظن، بل هو سرّ توازن الحياة. أدركت أن الفقد ليس كلمة تُقال، بل شعور يُعاش في كل لحظة؛ في الأماكن التي مررنا بها معًا، في التفاصيل الصغيرة التي كانت تملؤها، في الصمت الذي تركه غيابها خلفه.
أشتاق لصوتها، لضحكتها، لدعائها الذي كان يرافقني في كل خطوة. أشتاق حتى لعتبها، لكلماتها البسيطة، لوجودها الذي كان يملأ حياتي دون أن أشعر. ما أصعب الحياة بعد الأم، وما أثقل الأيام حين تغيب تلك الروح التي كانت تمنح لكل شيء معنى.
ومع كل هذا الألم، يبقى في القلب عزاء لا ينقطع: أن أمي عند ربٍ رحيم، أكرم من أن يخذل قلبًا طيبًا مثل قلبها. لذلك، لا أملك لها في هذا اليوم إلا الدعاء: اللهم ارحمها رحمةً واسعة، واغفر لها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، واجعلها في أعلى مراتب النعيم، واجمعني بها في جناتك.
في عيد الأم، تبقى الأم هي الحنان كله، وهي الدعاء الذي لا يتوقف، وهي الحياة في أبسط معانيها وأعمقها. فاحفظوا أمهاتكم، وأحسنوا إليهن، وقدّروهن ما دمن بينكم، فوجودهن نعمة لا تُعوّض.
أما أنتِ يا أمي، فكل عام وأنتِ في قلبي، حيّة بدعائي، خالدة بحبي… رحمكِ الله وجعل الجنة داركِ ومستقرّك.

