السفير نيوز
عليك أن تكون أردنيًا لتفهم ما أريد قوله عن الشتاء، هل أنت من الرمثا؟ أقصدُ: هل أنتَ حوراني ترى ابتهاج جدك بالشتاء وهو يقول:” بلشَّت تِرمي، والله لشهر ما بنشوف الفضا”، هل جربت زاعوقَ الشتاء في دبة نمر، تحديدًا على التقاطع الذي يخيركُ بين أبو البصّل والمصرّة (المسرّة) ودور أبو صبَّاح وبيوت جدي باير وأعمامه، سترى طفلًا من الرياشنة يقود دراجة هوائية ويُبطنِج ولا يكترث بالشتاء. جرب أن تمشي بسيارتك على طريق الطرة، تحديدًا في منطقة المخادمة حيث مهنية البنات والشارع الطويل ولفّة القصير.
هل أنتَ من كفرسوم؟ جرب متعّة الشتاء أمام دكان شنوان والختيارية يخرجون من الصلاة والمرحوم أحمد البركات أول الواصلين إلى بيته وفي الخلفية صوت رجالات القرية وتعليقاتهم الشتوية وختيارية اليوم يطلون برؤوسهم مثل كل الأطفال وهم يخمنون هيئة الذئاب الشتوية في الكسارة وديفور وادعم، في شتاءات القرية لا بد من الأساطير.
هل أنت من جرش، يعني هل رأيت الشتاء في الطرق الزراعية الواصلة بين المشيرفة وأم الزيتون وجبا وقفقفا، ثمة سيارة عسكرية تجتاز الشتاء يقودها ضابط من بني حسن جاء من الوحدة العسكرية ليشهد ولادة ابنه الأول وغامر رغم عنف الشتاء، إنه على يقين بأن سيارة الجيش لا تبوق. الشتاء هناك بلور يتساقط بزوايا مائلة مثل بخّات عطر على خدين تنطُ منهما الماويَّة.
هل أنت من عجلون، عليك أن تكون من قساة القلب حين ترى طفلًا يقف على أطراف إرحابا قاصدًا الجبل، العجلونيون يتأقلمون مع الشتاء برحابة صدر ووجوه عابسة ويلبسون كثيرًا لعلةٍ في التدفئات، تخيل حين تكون من أرض كانت تنزُ زعامةً وليس فيها طريق تسرُ الخاطر، في شتاء عجلوني هائل جاءت جثة أول زعيم أردني تم اغتياله في العصر الحديث، يوم قتلوا يوسف البركات الفريحات عام 1832 في سرايا إربد، يومها اختلط الدمع بندف الثلج، وكان شتاءً. قف على أطراف جرش من ناحية قفقا، ستطلُ عليك المفرق، ومهما كان الشتاء حادًا عليك أن ترى بقلبك خيام بني خالد ولمعّان قدورهم وعيدان نارهم، الجوع والشتاء لا يجتمعان في المفرق، حيث كثيري الرماد.
هل أنتَ من الزرقاء؟ أقصدُ هل أنت ابن حالة معسكرات الزرقاء والضباط الأردنيين الأشاوس هناك، إنك ترى هيبة الغساسنة في جناز يقام لأطيب رجل في الحارة التي يبدأ جارها الأول رمثاويًا وينتهي الجار الأخير كركيًا، لقد كانوا يقومون بواجب العزاء ويجلسون على باب الكنيسة لاتمام لوحة وجدانية اسمها الأردن الذي نعرفه، شتاء خفيف مثل اختلافاتنا عن بعضنا في ذلك الحين، والصحن والسيف واحدان.
هل أنت من الجبيهة، تخيل نفسك شيخًا من اللوزي في الجبيهة، جاء جده من أطراف شرقي الأردن ليملأ الروّايا وتعلق قلبه بشتاء عمان، إنها تمطرُ فوق رأس رجلٍ جاء به المطر، مطرٌ عماني لا شيء يهزمه إلا صوف الشركس ومواقد الأرمن ودفء عدوان عمّان، صويلح مثلًا أو الدوار الأول على سبيل التنقل، غامر جنوبًا وسترى قيمة الشتاء أبهى في تعاليل أبو علندة. عمّان يعني أن رقيب السير المفرقاوي يخمنُ شتاء بريقا وهو ينظم طريق الشيمساني.
هل أنت من البلقا وامتدادات مأدبا؟ عليك أن تعرف جيدًا قيمة الشتاء في قصيد سالم أبو الغنم، والغنم هنا كناية عن الكرم الشتوي يوم استقبل سالم ابن دعيج وقسمت الناس عليهما الألقاب، أبو الغنم وأبو النوق على الأغلب كان المُلقب ابن طريف. هل أنت من عباد؟ دونك خبيز العباديات الشتوي .. حتى تشبع المدفعية، السماء في يرقا تشعر بزهوٍ هائل تمامًا مثل اصخري تحجلُ فرسه في جلول حيث دحر جده سفلة الصحراء. ويواصل المطر زهوه.
هل أنت سلطي؟ كلُّ بلدٍ ليس فيه السلط هو بلد أعرج، والأهم، كل من أرادَ أن يزهو بشتائه الأردني عليه أن يضع في ذهنه شخصية سلطية يعرفها. حينَ تكون السلطُ في ذهنك سترى خيولًا تحجل، من بعيد ترى فارسًا من أهل الرمح والصحن راكبًا فوق عبية. كالعادة يحتار التاريخ في المدن والحواضر العريقة، فتجدُ لها أسماءً كثيرة على عكس المُدن المُهملة تلك التي لا خلاف على أسمائها.
هل أنتَ كركي؟! فكر بالشتاء فقط واترك قصة الصاك الملطوط، تلك نكتة لا ترضي شيخة مجالية، لا تقبلها أميرة إطروية ولا تعبر عن قُدسية بنات صرار، الشتاء في الكرك، هو الشتاء الوحيد الذي يبقى معلقًا في السماء فالخير طافح منذ عليا ومشخص. إن تأنيث الشتاء كله هناك، الشتاء أرستقراطي في الكرك مهيب عند الشراقة وله أنفةٌ عند الغرابة. حين تمطرُ في الكرك تذوب المفردات في الغيم وتتعرقُ القلعة، إنَّ الكرامة حرارة هناك.
هل أنت طفيلي من ورثة الأدوميين؟ الشتاء هناك مختلف مثل دعابة ومزاح الرجال، الطفيلة مدينة الخفة في كل شيء، في التنمية والتطوير والحظ والألم، لكنها في الشتاء تحمل غيومًا ثقيلةً تطلُ على الله من علو الشرَّاة حيث تلتحف العيص بأكرم من عرفت الأردن منذ آلاف السنين، جرب مطرًا واحدًا في بصيرا، لا أعرف كيف ستحصل على وحدة قياس “واحد” للمطر، كل ما أعرفه أن دفء تيسير السبول طفيلي، وأن ريادة محمد بطاح المحيسن طفيلية.
في معان فقط الشتاء مرتبط بالشهامة المُطلقة، في شتاء معان ثمة قلق دائم على أحبة الله العابرين كل الطرق للوصول إلى الكعبة، وتخيل حين يكون حماتك من معان؟ الشتاء في معان نفيرٌ حضاري من عمر أذرح، وعلى قلته ومهما كان، فإن الشتاء هناك لا يرضى بأنصاف الحلول مثل أهلها يوم هدموا إمبراطورية عثمان. فالشتاء إما سيل وإما رهافة شاعرية تتطلبُ هريسةً أصيلة.
هل عرفت قيمة الشتاء وهو يضرب الشاطئ العسكري في العقبة؟ في العقبة حيث يرتدي الشتاء فلدّةً عسكرية باخضرار الأمهات وطرابيش الكبارتة، هناك حيث رأى علامة الأردن ناصر الدين الأسد أول شتاء في حياته في حصة اللغة العربية يوم كان أستاذ اللغة العربية هناك محمد عبيدات من قرية حرثا، وتخيل لذة السهل والرمل والبحر في شتاء عبقري واحد.
هنا الأردن، حيث أموَّاه السماء بقيمة مضاعفة.

