السفير نيوز
في زمنٍ تتقلب فيه الموازين، وتغيب فيه المعايير، نعيش مشهداً مؤلماً يعكس حقيقةً صادمة: نعم، لقد وصلنا إلى زمن السفهاء.
هل يُعقل أن تتداعى الوجوه الكريمة، من شيوخ ووجهاء، ورجالٍ عُرفوا بفكّ النشب وحقن الدماء، إلى بابٍ ما، يطلبون الصلح، ويرفعون راية الإصلاح، فلا يُستقبلون؟ هل يُعقل أن يُردّ أولئك الذين أفنوا أعمارهم في فضّ الخصومات، وإنهاء النزاعات، وتضميد جراح المجتمعات؟ هل يُعقل أن تُغلق الأبواب في وجه القامات، وتُفتح في وجه من لا يُعرف له وزن ولا تقدير، في عرف الرجال ولا في ميزان القيم؟
امرأةٌ كانت “زعلانه” في بيت أهلها، كما نقول، فهُرعت إليها الوفود، وحملت الشيوخ “العطوة”، وبذل الوجهاء من ماء وجههم ما يكفي لجمع شتات بيتٍ وتماسك عائلة، لكن لم يُقبل منهم شيء. ثم، بعد حين، قبلت هذه المرأة أن تعود على يد رجل لا له مقام بين الرجال، ولا يُرجى منه فعلٌ في قضايا الصلح ولا الإصلاح. فما الذي تغيّر؟ وأين ذهب اعتبار الكبار وكرامة الساعين؟
يا حسرة على زمنٍ تُهان فيه لحى الشيوخ، وتُهدر فيه وجاهة الصلحاء. يا حسرة على عائلاتٍ لم تعد تزن الرجال بمواقفهم، بل تقبل الوسيط إذا كان “يعجبهم”، لا إن كان أهلاً لما يحمل من كلمة أو مقام.
ما عدنا نرى وجاهات تحمل الهيبة كما كانت، لأن الناس ما عادت تقدّر الهيبة. ما عدنا نسمع صوت العقلاء، لأن الأصوات العالية الجوفاء تغلب في هذا الزمان. وما عادت كرامة الرجال تُقاس بما يقدّمونه من إصلاح، بل بما يقدّمونه من مصلحة!
نعم، نحن في زمن السفهاء، حيث يُقدَّم الصغير ويُؤخَّر الكبير، ويُردّ الشريف ويُقبَل السفيه. ولكن، لا يُطفأ نور الحق مهما اشتدت ظلمة الجهل، ولا تُمحى كرامة الصلحاء مهما هان قدرهم في أعين بعض الناس.
سيبقى التاريخ يذكر من سعى لخير الناس، لا من رفضهم. وسيرفع الناس مقام من عمل على لمّ الشمل، لا من صدّ وجوه الخير. أما من استبدل الكبار بالصغار، والحكماء بالسفهاء، فعليه أن يستعد ليذوق مرارة ما صنع، لأن من يُهين أهل الفضل، لا يهنأ أبداً بما اختار.احمدالمفلح

